لم يعد نهائي «خليجي 27» بالنسبة إلى المنتخب السعودي مجرد مباراة بحثًا عن لقب جديد أو فرصة لإضافة بطولة أخرى إلى سجله وإنما تحول إلى موعد مع ذاكرة جيل كامل من الجماهير السعودية وُلد بعضه بعد آخر تتويج للأخضر وكبر وهو يسمع عن أمجاد كأس الخليج أكثر مما عاشها.
وبعد عبور المنتخب القطري بركلات الترجيح بنتيجة 3-2 عقب انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي أصبح المنتخب السعودي على بُعد 90 دقيقة فقط من وضع حد لانتظار طويل تجاوز 22 عامًا عندما يخوض المباراة النهائية في جدة يوم الثلاثاء 6 أكتوبر.
المفارقة أن هناك أجيالًا من المشجعين السعوديين لا تملك ذكرى حقيقية لآخر مرة حمل فيها الأخضر كأس الخليج؛ فالشاب الذي كان يبلغ من العمر 10 سنوات عند آخر تتويج أصبح اليوم في بداية الثلاثينات بينما هناك مشجعون ولدوا بعد ذلك التاريخ ولم يشاهدوا منتخب بلادهم يرفع الكأس الخليجية ولو مرة واحدة.
تعود آخر لحظة تتويج سعودي إلى 8 يناير 2004 عندما كان الأخضر يخوض منافسات «خليجي 16» في الكويت ويبحث عن الاحتفاظ باللقب الذي حققه قبلها بعامين على أرضه.
وفي ذلك اليوم كان ياسر القحطاني بطل المشهد بعدما سجل هدفي المنتخب السعودي في شباك اليمن ليضمن للأخضر حسم البطولة قبل نهاية منافساتها.
وأنهى المنتخب السعودي مشواره في البطولة برصيد 14 نقطة جمعها من 4 انتصارات وتعادلين ليضيف اللقب الثالث إلى خزائنه بعد تتويجي 1994 في الإمارات و2002 على أرضه.
تعاقبت الأجيال وتبدلت الأجهزة الفنية وظهر نجوم جدد ارتدوا القميص السعودي بينما ظلت الكأس الرابعة بعيدة عن متناول الأخضر رغم أن المنتخب طرق بابها أكثر من مرة.
المفارقة الأبرز في رحلة السعودية خلال السنوات الماضية أن مشكلة الأخضر لم تكن دائمًا في الوصول إلى المباراة الأخيرة وإنما في الخطوة الأخيرة التي تفصل بين الوصافة والبطولة.
في نسخة 2009 بمسقط بلغ المنتخب السعودي النهائي أمام عمان وانتهت المباراة بالتعادل السلبي قبل أن تبتسم ركلات الترجيح لأصحاب الأرض وتمنحهم لقبهم الأول.
وبعد عام واحد فقط عاد الأخضر إلى النهائي في «خليجي 20» باليمن لكنه خسر أمام الكويت بهدف دون رد بعد امتداد المباراة إلى الوقت الإضافي ليكتفي بالوصافة للمرة الثانية على التوالي.
ثم جاءت الفرصة الثالثة على أرض السعودية نفسها في «خليجي 22» عام 2014 عندما استضافت الرياض المباراة النهائية أمام قطر لكن المنتخب القطري نجح في حسم اللقب بالفوز 2-1.
ولم تتوقف سلسلة الانتظار عند هذا الحد ففي نسخة 2019 بالدوحة وصل الأخضر إلى النهائي مجددًا لكنه خسر أمام البحرين بهدف دون رد ليكتمل بذلك سجل من 4 نهائيات خاضها المنتخب السعودي بعد آخر لقب دون أن ينجح في تحويل أي منها إلى تتويج.
هذه الأرقام تحمل جانبًا آخر أكثر ارتباطًا بالجماهير فالمشجع الذي تابع نهائي 2009 وهو طفل عاش بعدها خسارة أخرى في 2010 ثم تابع سقوطًا جديدًا في نهائي 2014 قبل أن يرى الحلم يتبخر مجددًا أمام البحرين في 2019.
وخلال هذه السنوات انتقل هذا المشجع من الطفولة إلى المراهقة ثم إلى مرحلة الشباب بينما بقيت صورة الكأس الخليجية مرتبطة في ذاكرته بجيل سابق من اللاعبين.
أما من ولد بعد يناير 2004 فالقصة مختلفة تمامًا؛ فهو لم يشاهد المنتخب السعودي بطلًا للخليج من الأساس.
بالنسبة لهذا الجيل أصبح لقب 2004 جزءًا من التاريخ وصور ياسر القحطاني ونجوم ذلك المنتخب أرشيفًا تتناقله الذاكرة الرياضية وليس تجربة عاشوها بأنفسهم.
ومن هنا تكتسب مواجهة النهائي في جدة أهمية خاصة لأن الفوز لن يعني فقط إضافة لقب رابع إلى خزائن المنتخب السعودي وإنما سيمنح جيلًا كاملًا من المشجعين أول ذكرى حقيقية مع كأس الخليج.
ويحمل النهائي المقبل مفارقة تاريخية أخرى بعدما جاءت الألقاب الخليجية الثلاثة التي حققها المنتخب السعودي في حقبة كان التتويج فيها يُحسم بنظام المجموعة الواحدة عبر تصدر جدول الترتيب.
أما إذا نجح الأخضر في الفوز بنهائي جدة فسيكون اللقب الرابع مختلفًا تمامًا؛ لأنه سيكون أول تتويج سعودي بكأس الخليج يأتي عبر حسم مباراة نهائية.
وهنا تتضاعف قيمة المباراة فالمنتخب السعودي لا يبحث فقط عن كسر غياب دام أكثر من عقدين ولكنه أمام فرصة لكتابة فصل جديد في تاريخ مشاركاته الخليجية وإنهاء سلسلة من النهائيات التي توقفت فيها رحلته عند المحطة الأخيرة.