في إطار احتفال مصر والقوات بالذكرة 53 لنصر السادس من أكتوبر، يستعرض موقع صدى البلد الدور الذي قامت به القوات الجوية المصرية في نصر السادس من أكتوبر عام 1973، والمعارك الكبرى التي خاضتها ضد طيران العدو الإسرائيلي، وتكبيده خسائر فادحة.
بدأ الإعداد لحرب أكتوبر المجيدة بعد انتهاء حرب يونيو 1967، حيث استوعبت القوات المسلحة، ومن ضمنها القوات الجوية، الدرس، وبدأت بالتجهيز للحرب من خلال عدة محاور، وهي:
المحور الأول: وهو بناء القوة القتالية من الطائرات والطيارين، فأعيد تخطيط الهيكل التنظيمي للقوات الجوية لتكون في صورة ألوية مستقلة، وتم تشكيل لواء استطلاع جوي تم تجهيزه بوسائل الاستطلاع الحديثة، أما الطيارون، فعلى الرغم من أن أعداد الطيارين بانتهاء حرب يونيو 1967 كانت تفوق أعداد الطائرات، إلا أن مرحلة البناء كانت تتطلب زيادة أكبر في أعداد الطيارين، لذلك تمت زيادة الأعداد بالكلية الجوية لتفي بالأعداد المطلوبة والمتناسبة مع زيادة عدد الطائرات.
المحور الثاني: فهو تجهيز مسرح العمليات، حيث قامت القوات الجوية بإنشاء المطارات الجديدة، وكذا غرف عمليات محصنة في كل القواعد الجوية والمطارات، كما قامت بزيادة الممرات بكل قاعدة ومطار، وتم إنشاء العديد من الدشم المحصنة للطائرات، وكذا دشم الصيانة.
وكان للقوات الجوية دور مهم في حرب الاستنزاف، وساعد ذلك في التجهيز والإعداد العملي الجيد لحرب أكتوبر، ففي يوم 10 ديسمبر 1969 كانت أول مواجهة للطيارين المصريين مع الطائرة الفانتوم، التي توصف بأنها من أحدث الطائرات في الترسانة الأمريكية، وجرت معركة جوية في الساعة الحادية عشرة صباحا فوق منطقة العين السخنة في خليج السويس، عندما هاجمت 8 طائرات فانتوم المنطقة لضرب محطة رادار مصرية، فتصدت لها على الفور 8 طائرات مصرية طراز ميج 21.
فقد تم إسقاط أول طائرة فانتوم على يد طيار مصري في منطقة رأس المسلة على الساحل الشرقي لخليج السويس، وكانت فترة حرب الاستنزاف خير إعداد وتجهيز عملي للطيارين قبل حرب أكتوبر.
خلال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، سطرت قواتنا المسلحة ملحمة بطولية شهد لها العالم، وجاءت أعمال قتال قواتنا الجوية في الطليعة، حيث قامت بالعديد من البطولات، منها الضربة الجوية التي أفقدت العدو توازنه في بداية الحرب.
وكانت الضربة الجوية الرئيسية مكونة من أكثر من 200 طائرة مقاتلة لضرب الأهداف المعادية الإسرائيلية المحددة لها داخل سيناء المحتلة، وقد تمت الضربة الجوية في صمت لاسلكي تام لتجنب أي عمليات تصنت معادية يمكن أن تكشف الهجوم المصري.
ومرت التشكيلات الجوية على ارتفاع منخفض جدا وفي مسارات تم اختيارها بعناية لتفادي وسائل كشف الدفاع الجوي المعادي، وكان لذلك المرور فوق تشكيلاتنا وقواتنا البرية عظيم الأثر في رفع معنويات الجنود المقاتلين على الأرض، وكانت مؤشرا لبدء ملحمة مشتركة من البطولة للقوات المسلحة المصرية.
فقد عبرت الطائرات كلها في وقت واحد خط القناة، حيث تم ضرب مركز القيادة الرئيسي للعدو في منطقة "أم مرجم" لمنع سيطرته وعزله عن قواته، ثم تتابع بعد ذلك ضرب الأهداف المخطط التعامل معها بنسبة نجاح تزيد على 90%.
وتم ضرب 3 ممرات رئيسية في 3 مطارات، هي: "المليز - بيرتمادا - رأس نصراني"، بالإضافة إلى 3 ممرات فرعية في نفس المطارات، وكذلك تدمير 10 مواقع لبطاريات الدفاع الجوي من طراز هوك، وموقعي مدفعية، ومركز حرب إلكترونية، والعديد من مواقع الشئون الإدارية.
وقد استمرت هذه الضربة حوالي 30 دقيقة، ونظرا لنجاحها في تنفيذ أكثر من 90% من المهام المكلفة بها، تم إلغاء الضربة الجوية الثانية لعدم الحاجة إليها.
خاضت القوات الجوية المصرية معاركها في حرب أكتوبر المجيدة بكل كفاءة واقتدار منذ البداية وحتى النهاية، وتأَلقت قواتنا الجوية في يوم 14 أكتوبر في "معركة المنصورة"، في أداء مهامها بكفاءة عالية شهد بها العدو قبل الصديق.
ففي هذا اليوم، قام العدو بتنفيذ هجمة جوية على مطارات الدلتا بغرض التأثير على كفاءتها القتالية ومنع طائراتنا من التدخل ضد قواته بعد الخسائر الهائلة التي تكبدها، فتصدت له مقاتلاتنا من قاعدة المنصورة وقاعدة أنشاص، ودارت اشتباكات متواصلة شارك فيها أكثر من 150 طائرة من الطرفين، أظهر فيها طيارونا مهارات عالية في القتال الجوي.
واستمرت المعركة أكثر من 50 دقيقة، وتعد أطول معركة جوية، حيث تم إسقاط 18 طائرة للعدو رغم التفوق النوعي والعددي لطائراته، ولم يكن أمام باقي طائرات العدو إلا أن تلقي بحمولتها في البحر وتلوذ بالفرار، كما فعلت ذلك في باقي أيام الحرب، ومن هنا تم اختيار هذا اليوم عيدا للقوات الجوية باعتباره من أهم المعارك الجوية خلال حرب 73.
وقد شهد العالم للمخطط المصري روعة التخطيط في حرب أكتوبر 73، ولقد أثبت الطيار المصري خلال حرب أكتوبر المجيدة صلابة معدنه وشدة بأسه في القتال بمعدلات أداء عالية، بما تيسر له آنذاك من سلاح خاض به معارك البطولة والتضحية والفداء، ويكفي فخرًا أن طياري اليوم هم تلاميذ طياري حرب أكتوبر.