قررت الولايات المتحدة الأمريكية عدم الاكتفاء بحصار هرمز، أو انتظار شماعة المفاوضات التي تتعلق بها إيران، والتي اتضح أنه لا جدوى منها، واتخذ الرئيس الأمريكي قراره الأقسى بخنق إيران اقتصادياً، عبر ما وصفه ترامب بأنه «أقوى عملية اقتصادية على الإطلاق» ضد طهران، واصفاً تلك العملية بأنها «ستكون حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق»، وقد برر ترامب قراره بأنه نتيجة طبيعية لإضاعة قادة إيران الفرصة التي منحها إياهم حتى يتم التوصل إلى اتفاق، معتبراً أنه «لم يمنح أحد إيران فرصة أكبر لإبرام صفقة منّي، وبشكل مأساوي بالنسبة لهم، فشلوا في ذلك».من الواضح أن العملية التي يتحدث عنها الرئيس الأمريكي لا تقف عند ما ستفرضه واشنطن من إجراءات ثنائية حيال إيران، إضافة إلى ما هو قائم بالفعل، ولكن الخطة تتضمن التزامات على مختلف دول العالم وشركاتها، وسائر مؤسساتها، بما في ذلك المطارات، هذه الالتزامات تتمثل في عدم تقديم أي نوع من الدعم لإيران، كل ذلك من أجل «عزل وهزيمة التهديد الإيراني»، مؤكداً على أن هذا سوف يحول دون نشر إيران للإرهاب، وكذلك دون امتلاكها السلاح النووي.هذا العزم الأمريكي الذي وصفه ترامب ب «يوم الغزو الاقتصادي»، من المفترض أن تتضح ملامحه في الأيام القادمة على صعيد الإجراءات الأمريكية الإضافية المباشرة تجاه إيران من ناحية، ومن ناحية ثانية تجاه من يتعاملون مع إيران بكثافة، وما إذا كانوا سيستجيبون للنهج الأمريكي الجديد، خاصة في ظل مواقفهم المعروفة سلفاً بخصوص رفض العقوبات التي تفرض خارج نطاق مجلس الأمن الدولي، لاسيما أن بعضهم تطوله عقوبات أمريكية، هي بالنسبة لهم مرفوضة جملة وتفصيلاً.يبقى حلفاء واشنطن ومدى استجابتهم لهذه الحرب الاقتصادية ضد إيران، بعدما اشتكى ترامب مراراً من تملّصهم من المساهمة في العمليات العسكرية. بطبيعة الحال يمكن أن تحظى الإجراءات الاقتصادية بقبول أوسع من العمليات العسكرية، خاصة في ظل تحميل إيران مسؤولية إضاعة الفرص المتوالية من أجل الوصول إلى تفاهمات واتفاقات، وفي ظل إصرارها على أن تتخذ من مضيق هرمز رهينة، وما يعنيه ذلك من تداعيات على مختلف دول العالم تقريباً.في الوقت نفسه، هناك مسار آخر يمكن أن تتخذه التطورات حتى قبل أن تنفذ هذه الخطة، وهي أن تثوب إيران إلى رشدها، وتلتزم بقواعد القانون الدولي، وتتوقف عن العدوان على جيرانها، وتكف عن التدخل في الشؤون الداخلية في المحيط الإقليمي، وتقلع تماماً عن أي مسعى لامتلاك السلاح النووي، عندها يمكن أن تتوفر سبل الاستقرار والتعاون الإقليمي، الذي من شأنه أن يعود بالفائدة على كل دول المنطقة بما فيها إيران، التي بات شعبها في أمسّ الحاجة لكي يستمتع بخيرات بلاده التي يهدر معظمها على مغامرات وأوهام خارجية، بينما الشعب في حالة يُرثى لها.ما زال بالإمكان نزع فتيل الأزمة، وما زالت فرص الدبلوماسية قائمة، وما زال الوسطاء على أتم الاستعداد لتقريب وجهات النظر، وما زال هناك أساس قد تم التوصل إليه يتمثل في مذكرة التفاهم، لكن ذلك لن يكون طالما استمر العناد الإيراني، وهو ما اتضح في الرد الأوّلي على الخطة الأمريكية. هذا العناد الذي وضعها في هذه العزلة، وجعلها تحت ضربات عسكرية واقتصادية متوالية.