قليلة هي الكتب التي تستثيرك للكتابة عنها بمجرد مطالعتها، وتدفعك للوقوف والتأمل بمجرد تصفحها، وتجعلك تهرع لصفحة بيضاء لتحتضن خواطرك قبل تشتتها، ومن هذه الكتب كتاب د. عبدالله المعيقل «ينبع النخل.. صفحات من تاريخها وتراثها»، ولاتسألوني عن دوافع الكتابة أهي عن المؤلَف أم المؤلِف؟ أو هي نتاج انجذاب فكري أم شعور عاطفي؟ وأصدقكم القول: إنني لا أستطيع أن أحدد دافعًا واحدًا للكتابة بهذه السرعة! فلأدع السانحة ليَراعي ليأخذني إلى حيث تنتهي إليه الحروف مع كتاب يشدك مذ مصافحته؛ لما يبوح به من وفاء وانتماء للمؤلف نحو الأرض والمكان والإنسان رغم تصرم الأزمان، فالمؤلف ابن المنطقة التي استوطنت جوانحه ومنحته شموخ نخيلها وانسياب عيونها وعبير نسيمها عشقًا لا تزاحمه ضوضاء المدنية مهما تغول بها؛ فجاء مؤلفه مشبعًا بحكايا الطين، وغناء «صابية» الرديح، ورقصة البحري بالسيف في ساحة «المقرح» بسويقة التي شهدت سنيّ حياته الأولى، فلم ينسه صخب العاصمة وداعة القرية وهدوئها، ولم يأخذه العطر الباريسي بعيدًا عن رائحة الفاغية والحناء، فجاء غلاف كتابه مشتملاً شموخ النخيل ودفء الطين وجمال العيون، باعثًا إشارة مبشرة بروح موضوعية وعمل علمي بمكنة الباحث الرصين فكانت صفحات من سفر كبير، وبعض من كل، وجهد من جهود بذلت وستبذل قادمًا، وجاء غلافه الخلفي مضمخًا بألق القصيدة وجمال الشعر الذي يعود به وبشاعر سويقة إبراهيم الوافي، للبدايات في القرية والحنين الدائم لها: هنا سويقة.. ألقاها وكم شهقت جدرانها لحنيني واحتمالاتي شربت من نبعها ماء الوفاء وما ظمئت من بعدها إلا بحسراتي وما إن تتجاوز صفحة الغلاف، حتى تجدك أمام محتويات الكتاب متجاوزًا الإهداء؛ وكأني به يقدم هذا العمل لكل باحث في حقول المعرفة دون تحديد أوتمييز، وكما وجدت نفسك أمام محتوياته مباشرة؛ فستجد مقدمة عملية تتجاوز المألوف؛ لتحدثك عن تقسيم الكتاب وفصوله ومحتويات كل فصل باعثا إشارة أخرى عن جدية الطرح. كما تتجلى موضوعية مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا في تناوله لشعر الكسرة وآرائه وتعليلاته التي لم يسفه فيها رأيًا سابقًا أو ينتقص من قول قائل وإنما عرض وجهة نظره. وأما عن الكتاب فضم مقدمة وخمسة فصول أولها عن الخيوف، وثانيها عن الرحالة ورحلات الحج، وثالثها عن الأشراف الحسنيين، ورابعها عن التراث في ينبع، فيما جاء الفصل الخامس مضمخًا بالوفاء صادحًا بالانتماء لسويقة قرية المؤلف متحدثًا عن مواضعها وآثارها ومعالما وشعرائها ورجالاتها.