لا يكتسب التكريم قيمته من المنصة التي يُعلن فوقها فحسب، بل من المسيرة التي يستحضرها، والأسئلة التي يعيد طرحها حول أثر المكرَّم في مجاله. ومن هنا يأتي تكريم المسرحي والباحث ياسر مدخلي في مهرجان مسرح الطفل الشعري بجدة، بوصفه احتفاءً بتجربة تجاوزت إنتاج العروض إلى بناء علاقة ممتدة بين المسرح والطفل، وبين الموهبة والفرصة، وبين الدمية والهوية المحلية. إنه تكريم لمسار جمع بين الكتابة المسرحية والإخراج، والبحث والتوثيق، والتدريب والعمل المؤسسي، وأسهم في ترسيخ حضور مسرح الطفل والدمى ضمن مشروع ثقافي لم يتعامل مع الطفل باعتباره متلقيًا صغيرًا يحتاج إلى التسلية، بل بوصفه إنسانًا كامل الحساسية، يمتلك خيالًا وأسئلة وقدرة على المشاركة، ويمكن للمسرح أن يؤدي دورًا حقيقيًا في بناء لغته وشخصيته وثقته بنفسه. وتنبع أهمية تجربة ياسر مدخلي من أنها لم تنظر إلى مسرح الطفل بوصفه نوعًا أقل شأنًا من مسرح الكبار، أو نشاطًا مرتبطًا بالمناسبات المدرسية والمهرجانات الموسمية، بل تعاملت معه باعتباره أحد المداخل الأساسية لبناء مستقبل المسرح نفسه؛ فالطفل الجالس اليوم بين الجمهور قد يصبح غدًا كاتبًا أو ممثلًا أو مخرجًا أو مصممًا أو ناقدًا، وقد يصبح، على الأقل، متلقيًا واعيًا يمنح المسرح استمراره وقيمته الاجتماعية. بناء مشروع عرفت المملكة عددًا من التجارب المبكرة في مسرح العرائس والدمى، سواء عبر التلفزيون أو المؤسسات التعليمية والجمعيات الثقافية والاجتماعية والمهرجانات. إلا أن هذه التجارب، على أهميتها، ظلت في كثير من الأحيان متفرقة، ومحكومة بظروف المناسبة والدعم المتاح، في ظل تحديات تتعلق بصناعة الدمى، وندرة الحرفيين والمحركين المتخصصين، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التوثيق والتراكم المهني. وقد أدرك ياسر مدخلي مبكرًا أن مسرح الدمى لا يمكن أن يتطور بمجرد شراء بعض العرائس الجاهزة وتقديم فقرات ترفيهية عابرة، وأن بناء هذا الفن يحتاج إلى مشروع يجمع بين الكتابة والتصميم والصناعة والتحريك والتدريب والإنتاج والتوثيق. من هذا الوعي انطلقت تجربته عبر محترف كيف للفنون المسرحية، الذي تأسس عام 2006، ثم تطورت ضمن مشروع مسرح كيف للعرائس، بوصفه واحدًا من المشاريع السعودية المبكرة التي حاولت نقل مسرح الدمى من نطاق التجربة الفردية إلى العمل الجماعي المنظم. وشكّل «مسرح كيف» فرقة متخصصة، واستمرت تجاربها على مدى ما يقارب عقدين، منتقلة من المحاولات الأولى في تصميم الدمى وتوظيفها، إلى إنتاج عروض لها بنيتها الجمالية والدرامية، وتدريب ممارسين جدد على العمل فيها. ولم تكن ريادة هذه التجربة مرتبطة بالسبق الزمني وحده، بل بمحاولة بناء منظومة مستمرة في بيئة كان هذا الفن فيها يواجه نقصًا واضحًا في الخبرات والمواد والدعم. ولذلك تكشف مسيرة المشروع عن إصرار على تحويل النقص إلى مساحة للتجريب، والعقبات إلى معرفة عملية تراكمت من عرض إلى آخر. ملامح المجتمع أحد أهم إسهامات ياسر مدخلي في هذا المجال هو سعيه إلى توطين الدمية، وإخراجها من كونها شخصية جاهزة مستوردة من ثقافة أخرى، لتصبح قادرة على التعبير عن المجتمع السعودي وملامحه وذاكرته. ظهر ذلك بوضوح في إعادة تصميم بعض الدمى القفازية وتفصيل ملابسها لتناسب الهوية المحلية، كما حدث في شخصيتي الحكواتي والفتاة في عرض «محاكمة فأر». ولم يكن تغيير الملابس إجراءً تجميليًا، بل جزءًا من بناء الشخصية المسرحية؛ فالطفل حين يرى الجد أو الحكواتي أو الفتاة بملامح وملابس قريبة من بيئته، يشعر بأن الحكاية تنتمي إليه، وأن الدمية ليست كائنًا غريبًا جاء ليقدم له درسًا، بل شخصية تشبه من يعرفهم ويعيش بينهم. وتوسعت هذه الرؤية في «مسرح الحكايات»، حيث تشكل العرض من دميتين رئيستين، الجد والفتاة، ترويان مجموعة من القصص التي تجسدها دمى أخرى. وبذلك أصبحت الدمية المحلية بوابةً للحكاية، وحافظةً للذاكرة، ووسيطًا بين الأجيال، وليست مجرد أداة للحركة والإضحاك. لقد أسهم هذا التوجه في طرح سؤال مهم حول هوية مسرح الدمى السعودي: كيف يمكن أن تكون لنا شخصياتنا وأساليبنا البصرية وحكاياتنا الخاصة، من دون الانغلاق عن الخبرات العالمية؟ وقد جاءت تجربة مدخلي محاولة عملية للإجابة؛ بالاستفادة من التقنيات والخبرات العربية والدولية، ثم إعادة تشكيلها وفق البيئة المحلية واحتياجات جمهورها. لغة المتعة ارتبط توطين الدمية لدى ياسر مدخلي باهتمام واضح باللغة العربية وفصاحتها. لكنه لم يتعامل مع الفصحى باعتبارها مادة تعليمية جامدة، أو خطابًا وعظيًا يثقل على الطفل، بل عمل على إدخالها في نسيج الحكاية والموقف والحركة والأغنية. في بعض تجاربه، استخدمت شخصيتا الراوي والراوية اللهجة القريبة من الجمهور لصناعة الألفة والتواصل المباشر، بينما تحدثت شخصيات القصص باللغة العربية الفصحى. وهذا التوازن بين المستويين اللغويين يعكس وعيًا بطبيعة الطفل وطرائق استقباله؛ فالعامية تفتح باب القرب والتلقائية، والفصحى توسع الحصيلة اللغوية وتمنح الحكاية إيقاعها الأدبي. وبذلك لم تعد فصاحة اللغة هدفًا منفصلًا عن الفرجة، بل أصبحت جزءًا من متعتها. فالطفل يتلقى المفردة في سياق درامي، ويربطها بالشخصية والصوت والحركة والانفعال، فتستقر في ذاكرته بعيدًا عن أساليب الحفظ والتلقين. وهنا تبرز أهمية مسرح الطفل في مشروع مدخلي بوصفه مساحة يمكن أن تجمع بين الجمال والتربية؛ فلا يتنازل العرض عن مستواه الفني بحجة التعليم، ولا يتخلى عن مسؤوليته التربوية بحجة الترفيه. شريك الصناعة لم تنظر تجربة ياسر مدخلي إلى الطفل بوصفه متلقيًا صامتًا يجلس في الظلام حتى نهاية العرض، بل بوصفه شريكًا قادرًا على التأثير في إيقاع الحدث المسرحي. ولهذا حضرت في عدد من عروضه الفقرات التفاعلية والارتجالية التي تتوجه فيها الدمية مباشرة إلى الأطفال، وتستمع إلى إجاباتهم، وتبني جزءًا من المشهد على ردود أفعالهم. في عرض «محاكمة فأر»، أدت الدمى دور الحكواتي الذي يقدّم الحكاية ويختمها بأغنية يشارك فيها الجمهور. ثم تطورت التجربة في «مسرح الحكايات»، فازداد زمن العرض، وتنوعت الحكايات، وأضيفت وصلات أداء مباشر تسمح بالحوار والتفاعل. وهذا التفاعل لم يكن استراحة فكاهية بين المشاهد، بل جزءًا من فلسفة العرض؛ إذ يساعد على توطيد العلاقة النفسية بين الطفل والدمية. فالدمية التي تنادي الطفل وتسمع رأيه وتضحك معه تتحول من جسم مصنوع إلى شخصية حية في وعيه، ويصبح المسرح بالنسبة إليه فضاءً يستجيب لحضوره، لا صورة مغلقة تُعرض أمامه. كما تسهم هذه المشاركة في تنمية الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير، وسرعة البديهة، والإنصات، والتفاوض مع الآخرين. وهي في الوقت نفسه أداة لاكتشاف المواهب؛ لأن الطفل يكشف أثناء التفاعل العفوي عن قدراته اللغوية والتمثيلية وخياله وجرأته، بعيدًا عن رهبة الاختبارات الرسمية. إن القيمة الأساسية في تجربة ياسر مدخلي لا تكمن في قائمة الأعمال التي كتبها أو أخرجها وحدها، بل في المنطق الذي جمع هذه الأعمال. فقد حاول أن يبني مشروعًا تتكامل داخله الهوية المحلية، واللغة، والتربية المسرحية، والتفاعل، والتدريب، والتوثيق، والعمل المؤسسي. يأتي تكريم ياسر مدخلي في مهرجان مسرح الطفل الشعري بجدة تقديرًا لمسيرة لم تنظر إلى مسرح الطفل بوصفه هامشًا، ولم تتعامل مع الدمية بوصفها لعبة، ولم ترَ في الموهبة طاقة تكفيها الإشادة العابرة. إنه تكريم لمشروع أدرك أن الدمية يمكن أن تحمل هوية المجتمع ولغته، وأن المسرح يستطيع أن يجمع الأسرة حول تجربة ثقافية مشتركة، وأن الطفل لا يحتاج إلى من يتحدث إليه من أعلى، بل إلى شخصية تحاوره وتحترم ذكاءه وتمنحه حق المشاركة.