«يُنَادُونَنِي فِي السِّلْمِ يَابْنَ زَبِيبَةٍ
وَعِنْدَ صِدَامِ الْخَيْلِ يَابْنَ الْأَطَايِبِ»
بين النداءينِ يقف الإنسان نفسه؛ شجاعتُهُ لم تتبدَّل، وقيمته لم تنقُص، لكن نظرةَ مَن حوله تتغيَّر بتغيُّر حاجتهم إليه؛ ففي الشدَّة يستدعون بأسه، ويمنحونه نسبًا يليقُ بما يرجونه منه، وفي السِّلم يُعيدونه إلى وصف ينتقصُ مكانته، يتكشَّف هنا تناقضٌ في طبيعة البشر: قد يعرفون فضل إنسان معرفةً تامةً، ويضيقون بالاعتراف له بما يستحقُّ حين تنتهي حاجتُهُم إلى ذلك الفضل.
وجع البيت في هذا الإدراك تحديدًا؛ فعنترةُ يسمع اختلاف النداء، ويفهم سببه، ويعرف أن الشجاعة التي احتمَوا بها تخصُّ الرجل الذي عيَّروه بأُمه؛ فلونه ووضعه الاجتماعي يحضرانِ عند الانتقاص، ويتراجعانِ عند طلب النجدة، كأن الموقف يزيل عن أعينهم ما يحجب الحقيقة، فإذا زال الخطرُ عاد الحجاب، ومن هذه المفارقة يخرُجُ سؤال يستحقُّ التأمُّل: ما الذي يجعل الاعترافَ بالفضل سهلًا عند الضرورة، ثقيلًا في الرخاء؟
ربما يحمل الإنسان أحكامًا ورثها قبل أن يختبرها، فيألفها ويطمئنَّ إلى ترتيب الناس وَفْقها، وحين يقدم الواقع ما يخالفها، يجد نفسه أمام مراجعة تتطلَّب شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة تغيير ما اعتاده؛ فالإقرار بقيمة شخص حجبنا عنه التقدير يعني الاعتراف بأن نظرتنا السابقة قصرت، وأن بعض ما حسبناه معيارًا للمكانة يحتاج إلى تصحيح، وهذه خطوة يستطيع الإنسان أن يتعلَّمها وينمو بها.
وقد تتدخَّل المصلحة في طريقة التعبير عن التقدير، فيُصبح الثناء مرتبطًا بما نطلبه من صاحبه، نُوسّع له مكانًا حين نحتاج قدرته، ويضيق المكان بعد أداء المهمة، وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا عن صدق امتناننا؛ فالاعتراف الذي يستمرُّ بعد زوال الحاجة يدلُّ على أننا رأينا الإنسان، وفهمنا فضله، وحفظنا له أثر ما قدَّم، أما انتهاء التقدير بانتهاء المنفعة فيكشف أن علاقتنا بقيت أسيرة الطلب.
والإنصاف يبدأ من فصل كرامة الإنسان عن مقدار احتياجنا إليه، له احترامه قبل أن ينفعنا، وله مكانته حين يعجز عن العطاء، وحين يختار أن يصرف جهده إلى شأن آخر، وإذا أضاف إلى حياتنا خيرًا، استحقَّ الشكر على فعله، دون أن يصبح هذا الفعل شرطًا لقبوله؛ بذلك تستقيم العلاقة، ويشعر كلُّ طرفٍ أن حضوره محفوظ، وأنه يستطيع المشاركة بحرية وطمأنينة.
وفي طبيعة البشر أيضًا قدرةٌ على تجاوز هذا التناقض، نتعلَّم من المواقف، ونُراجع كلماتنا، ونتنبه إلى أحكام خرجت منا دون تفكيرٍ كافٍ، وقد يبدأ التغيير باعترافٍ بسيطٍ: لقد أخطأتُ في تقدير هذا الإنسان؛ لهذه العبارة أثر عميق؛ فهي تُعيد لصاحب الفضل حقَّهُ، وتفتح لقائلها باب النضج، والاعتراف بالخطأ يمنح صاحبه فرصةً للتصرُّف وَفْق ما عرفه الآن، بدل الاستمرار فيما اعتاده سابقًا.
ومن أجمل صور الوفاء أن يبقى تقديرنا حاضرًا في الأيام التي يغيب فيها الاحتياج، نذكُرُ فضل من أعاننا، ونُحسن مخاطبته، ونحفظ مكانته أمام الآخرين، ونمنحه من الاهتمام ما يثبت أن الشكر تجاوز لحظته الأولى؛ فالإنسان يُدرك الفرق بين مودَّةٍ تتصل به، ومديحٍ تستدعيه مهمة، ومع استمرار المعاملة الكريمة، يكتسب الامتنان مصداقيَّته، وتصبح الثقة نتيجة أفعال متسقة يمكن الاطمئنان إليها.
ويمنحنا عنترةُ فرصةً للنظر إلى الثبات من جهة أخرى؛ فمعرفته بشجاعته تظلُّ قائمةً رغم اضطراب أحكامهم، وهذا يُعلّمنا أن نبني تقديرنا لأنفسنا على ما نعرفه من جهدنا وخلقنا، مع الاستعداد للتعلُّم والتصحيح، تتغيَّر أصوات الناس، وتتفاوت دوافعهم، ويبقى للإنسان عمل يستطيع أن يراه ويطوره، ومن هذا الوعي تنشأ قوة تساعده على المطالبة بحقه دون أن يفقد احترامه لنفسه أو للآخرين.
ويكبر أثر الوعي حين نُربّي أبناءنا على احترام الناس، ونشرح لهم أن اللون والنسب والثروة أوصافٌ لأحوالهم، وأن الخُلُق والعمل يكشفانِ ما يستحق التقدير في سلوكهم.
لهذا يبقى البيت قريبًا من أسئلة النفس البشرية؛ فهو يكشف المسافة بين الاستعانة بالإنسان وإنصافه، وتضيق هذه المسافة حين نملك شجاعة مراجعة أحكامنا، ونحفظ للآخر مكانته في مختلف الأحوال، عندها يتوحَّد النداء؛ لأن نظرتنا أصبحت أصدق، ويغدو التقدير عهدًا في المعاملة، يرافق الإنسان في أيام قوته وضعفه، ويشهد بأننا عرفنا فضله واحترمنا إنسانيته.
«لم يتغيَّر عنترة بين السِّلمِ والحربِ؛ تغيَّرت حاجتهم إليه، فمنحوه عند الخطر مكانة استحقَّها منهم في كل وقت».
«يُنَادُونَنِي فِي السِّلْمِ يَابْنَ زَبِيبَةٍ
وَعِنْدَ صِدَامِ الْخَيْلِ يَابْنَ الْأَطَايِبِ»
بين النداءينِ يقف الإنسان نفسه؛ شجاعتُهُ لم تتبدَّل، وقيمته لم تنقُص، لكن نظرةَ مَن حوله تتغيَّر بتغيُّر حاجتهم إليه؛ ففي الشدَّة يستدعون بأسه، ويمنحونه نسبًا يليقُ بما يرجونه منه، وفي السِّلم يُعيدونه إلى وصف ينتقصُ مكانته، يتكشَّف هنا تناقضٌ في طبيعة البشر: قد يعرفون فضل إنسان معرفةً تامةً، ويضيقون بالاعتراف له بما يستحقُّ حين تنتهي حاجتُهُم إلى ذلك الفضل.
وجع البيت في هذا الإدراك تحديدًا؛ فعنترةُ يسمع اختلاف النداء، ويفهم سببه، ويعرف أن الشجاعة التي احتمَوا بها تخصُّ الرجل الذي عيَّروه بأُمه؛ فلونه ووضعه الاجتماعي يحضرانِ عند الانتقاص، ويتراجعانِ عند طلب النجدة، كأن الموقف يزيل عن أعينهم ما يحجب الحقيقة، فإذا زال الخطرُ عاد الحجاب، ومن هذه المفارقة يخرُجُ سؤال يستحقُّ التأمُّل: ما الذي يجعل الاعترافَ بالفضل سهلًا عند الضرورة، ثقيلًا في الرخاء؟
ربما يحمل الإنسان أحكامًا ورثها قبل أن يختبرها، فيألفها ويطمئنَّ إلى ترتيب الناس وَفْقها، وحين يقدم الواقع ما يخالفها، يجد نفسه أمام مراجعة تتطلَّب شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة تغيير ما اعتاده؛ فالإقرار بقيمة شخص حجبنا عنه التقدير يعني الاعتراف بأن نظرتنا السابقة قصرت، وأن بعض ما حسبناه معيارًا للمكانة يحتاج إلى تصحيح، وهذه خطوة يستطيع الإنسان أن يتعلَّمها وينمو بها.
وقد تتدخَّل المصلحة في طريقة التعبير عن التقدير، فيُصبح الثناء مرتبطًا بما نطلبه من صاحبه، نُوسّع له مكانًا حين نحتاج قدرته، ويضيق المكان بعد أداء المهمة، وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا عن صدق امتناننا؛ فالاعتراف الذي يستمرُّ بعد زوال الحاجة يدلُّ على أننا رأينا الإنسان، وفهمنا فضله، وحفظنا له أثر ما قدَّم، أما انتهاء التقدير بانتهاء المنفعة فيكشف أن علاقتنا بقيت أسيرة الطلب.
والإنصاف يبدأ من فصل كرامة الإنسان عن مقدار احتياجنا إليه، له احترامه قبل أن ينفعنا، وله مكانته حين يعجز عن العطاء، وحين يختار أن يصرف جهده إلى شأن آخر، وإذا أضاف إلى حياتنا خيرًا، استحقَّ الشكر على فعله، دون أن يصبح هذا الفعل شرطًا لقبوله؛ بذلك تستقيم العلاقة، ويشعر كلُّ طرفٍ أن حضوره محفوظ، وأنه يستطيع المشاركة بحرية وطمأنينة.
وفي طبيعة البشر أيضًا قدرةٌ على تجاوز هذا التناقض، نتعلَّم من المواقف، ونُراجع كلماتنا، ونتنبه إلى أحكام خرجت منا دون تفكيرٍ كافٍ، وقد يبدأ التغيير باعترافٍ بسيطٍ: لقد أخطأتُ في تقدير هذا الإنسان؛ لهذه العبارة أثر عميق؛ فهي تُعيد لصاحب الفضل حقَّهُ، وتفتح لقائلها باب النضج، والاعتراف بالخطأ يمنح صاحبه فرصةً للتصرُّف وَفْق ما عرفه الآن، بدل الاستمرار فيما اعتاده سابقًا.