ولي العهد في فرنسا.. مسار جديد للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني

تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله - إلى الجمهورية الفرنسية في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى المنطقة والعالم. فقد غادر سموه المملكة في 21 أغسطس 2026 متوجهاً إلى فرنسا في زيارة دولة بناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله -واستجابة لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتكتسب الزيارة أهمية مضاعفة لكونها تأتي بعد سلسلة من الاتصالات والمشاورات بين الرياض وباريس حول أمن المنطقة وحرية الملاحة والتطورات السياسية في الشرق الأوسط. ولا تنفصل زيارة ولي العهد عن المسار المتصاعد للعلاقات السعودية الفرنسية الذي انتقل خلال السنوات الماضية من التعاون السياسي والدفاعي التقليدي إلى شراكة واسعة تشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والتعليم والرياضة والتقنية والمشروعات الكبرى. فقد أرست زيارة الرئيس الفرنسي إلى الرياض في ديسمبر 2024 مرحلة جديدة من هذا المسار بعدما اتفق البلدان على خارطة طريق للشراكة الاستراتيجية ووقعا مذكرة تفاهم لتشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجية برئاسة مشتركة من سمو ولي العهد والرئيس الفرنسي. وفي باريس يكتسب هذا الإطار المؤسسي زخماً جديداً مع انعقاد الاجتماع الأول للمجلس في صورته الجديدة خلال زيارة ولي العهد الحالية. وهي خطوة تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارة إلى بناء آلية منتظمة لمتابعة ملفات العلاقة وتحديد أولوياتها وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ. وكان أول اجتماع للمجلس قد عقد في قصر الإليزيه خلال زيارة ولي العهد إلى فرنسا في إبريل 2018 عندما ترأس سموه والرئيس ماكرون المجلس الجديد الذي غطى التعاون السياسي والدفاعي والأمني والاقتصادي والثقافي والعلمي والتعليمي. وتأتي أهمية اجتماع المجلس في المرحلة الحالية من طبيعة الملفات التي تواجه البلدين. فالرياض تنظر إلى فرنسا باعتبارها شريكاً أوروبياً مؤثراً يمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واسعاً وقدرة على التحرك داخل المؤسسات الأوروبية والدولية. وباريس ترى في المملكة قوة إقليمية رئيسية وشريكاً لا يمكن تجاوز دوره في ملفات الخليج والشرق الأوسط والطاقة والأمن والممرات البحرية والاقتصاد العالمي. ومن هنا تبدو العلاقة السعودية الفرنسية أقرب إلى شراكة مصالح متبادلة تتسع مع اتساع الدور السعودي في النظام الدولي. اقتصاد واستثمار ودفاع يشكل الاقتصاد أحد أكثر محاور الشراكة السعودية الفرنسية قابلية للتوسع خلال المرحلة المقبلة. فالعلاقات التجارية بين البلدين سجلت نمواً مستمراً ووصل حجم التبادل التجاري إلى نحو 44.2 مليار ريال في عام 2025 بزيادة 7.2 بالمئة بحسب بيانات اتحاد الغرف السعودية. كما تشارك الشركات الفرنسية بصورة متزايدة في قطاعات مرتبطة بمشروعات رؤية السعودية 2030 في الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والسياحة وغيرها. وتحمل الزيارة الحالية بعداً اقتصادياً واضحاً مع استضافة باريس اجتماع الطاولة المستديرة السعودي الفرنسي للاستثمار في 24 أغسطس بمشاركة مسؤولين حكوميين وقادة أعمال ورؤساء تنفيذيين لشركات كبرى من البلدين. ومن المنتظر أن تتناول المناقشات الشراكات الصناعية والنقل والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية إلى جانب توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في عدد من القطاعات. ويعكس ذلك انتقال العلاقة الاقتصادية من مرحلة التبادل التجاري إلى مرحلة أوسع تقوم على الاستثمار المشترك ونقل التقنية وبناء سلاسل قيمة جديدة. فالمملكة تبحث عن شركاء يمتلكون الخبرة والتقنية والقدرة على المشاركة في مشروعات التحول الاقتصادي بينما تبحث الشركات الفرنسية عن موقع متقدم داخل أحد أكثر الأسواق نمواً في المنطقة وأكثرها ارتباطاً بمشروعات البنية التحتية والطاقة والسياحة والتقنية. وتتسع مجالات التعاون لتشمل الطاقة التقليدية والمتجددة والهيدروجين والصناعات المتقدمة والمياه والرعاية الصحية والطيران والفضاء والسياحة والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبنية التحتية الرياضية. وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وتوجه فرنسا نحو تعزيز حضور شركاتها في الأسواق ذات النمو المرتفع. وفي مجال الدفاع والأمن يمثل التعاون السعودي الفرنسي أحد الملفات الراسخة في العلاقة الثنائية. وتؤكد وزارة الخارجية الفرنسية أن التعاون الدفاعي بين البلدين يشمل التدريب وتعزيز القدرات وأن المملكة تنظر إلى فرنسا ضمن شركائها في تطوير صناعتها الدفاعية وتنظيم منظومتها الأمنية. ولا يقتصر البعد الأمني على العلاقات الثنائية. فالتطورات المتسارعة في الخليج والبحر الأحمر تفرض على الرياض وباريس تنسيقاً أكبر في حماية الملاحة والتعامل مع المخاطر التي تهدد التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. تنسيق سعودي فرنسي إقليمياً تتجاوز أهمية الشراكة السعودية الفرنسية حدود الملفات الثنائية إلى تنسيق سياسي متنام تجاه أزمات المنطقة. وقد أصبحت الاتصالات بين قيادتي البلدين أكثر انتظاماً مع تصاعد الأزمات الإقليمية. وفي 7 أغسطس 2026 بحث سمو ولي العهد والرئيس ماكرون تطورات الأحداث الإقليمية والجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار وتحقيق أمن وحرية الملاحة البحرية إلى جانب العلاقات الثنائية والقضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك. وقبل ذلك بأسابيع ناقش الجانبان في اتصال هاتفي آخر تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية ومستجدات التفاهمات المتعلقة بالأزمة الإيرانية وأكدا أهمية ضمان حرية الملاحة ودعم الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. ويكشف هذا المسار عن تقارب واضح في مقاربة الرياض وباريس للأزمات التي تعصف بالمنطقة. فالمملكة تركز على خفض التصعيد والحلول السياسية والحوار وحماية أمن الدول وسيادتها بينما تؤكد فرنسا أهمية العمل الدبلوماسي واحتواء تداعيات الأزمات ومنع توسعها. وقد انعكس هذا التقارب في الاتصالات الوزارية أيضاً. ففي مايو 2026 أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال لقائه وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان التزام فرنسا بأمن شركائها في الخليج ودعم الحلول السياسية للأزمات الإقليمية وناقش الجانبان أمن الملاحة في مضيق هرمز وضرورة احترام وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. أمن الطاقة والممرات البحرية يأتي أمن الطاقة في مقدمة الملفات التي تجعل التنسيق السعودي الفرنسي أكثر إلحاحاً. فالتوترات في مضيق هرمز انعكست على حركة التجارة وإمدادات الطاقة وأسعارها وأظهرت مرة أخرى أن أمن الممرات البحرية لا يمثل قضية إقليمية محدودة وإنما يرتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي. وتنظر باريس إلى استقرار الممرات البحرية باعتباره مصلحة أوروبية ودولية مباشرة. وقد أعلنت فرنسا استعدادها للمشاركة مع شركائها في مهمة دفاعية متعددة الجنسيات تهدف إلى دعم حرية الملاحة في مضيق هرمز وإعادة فتحه بصورة آمنة. كما أكدت أن عملية أسبيدس الأوروبية الموجودة في البحر الأحمر تختلف عن المهمة المقترحة لهرمز لكنها توفر خبرة عملية في حماية الملاحة والتعامل مع المخاطر البحرية. أما البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن فتشكل امتداداً آخر لأمن التجارة الدولية. وقد أكدت فرنسا في يوليو 2026 تضامنها مع المملكة عقب استهداف سفن تجارية تابعة للمملكة في البحر الأحمر وجددت التزامها بأمن الملاحة وحرية العبور من خلال عملية أسبيدس الأوروبية. وهنا تبرز فرصة عملية للتنسيق بين القدرات السعودية والشراكات الأوروبية القائمة في المنطقة. فالمملكة تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً يطل على البحر الأحمر والخليج العربي وتتعامل بصورة مباشرة مع أمن خطوط التجارة والطاقة بينما تمتلك فرنسا حضوراً بحرياً وقدرات عسكرية وخبرة في العمل ضمن الأطر الأوروبية والدولية. ولا يعني ذلك بالضرورة دمج الأطر الأمنية المختلفة في منظومة واحدة وإنما يمكن أن يتجه التعاون إلى تبادل المعلومات والتنسيق البحري ورفع مستوى الوعي بالمخاطر وحماية السفن التجارية ودعم حرية الملاحة في الممرات الحيوية. لبنان وسوريا يأتي لبنان وسوريا ضمن الملفات التي يمكن أن تشهد تقارباً أكبر في المواقف السعودية الفرنسية. ففي لبنان تلتقي الرياض وباريس حول أهمية دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز سيادتها ومنع تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الإقليمية. وقد دعمت المملكة خلال الأشهر الماضية خطوات لبنانية باتجاه إعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي يونيو 2026 وجه سمو ولي العهد باستئناف صادرات لبنان إلى المملكة وفقاً للخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة. وأكدت المملكة دعمها لاستقرار لبنان وسيادته على كامل أراضيه. وفي المقابل تؤكد فرنسا أهمية حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة اللبنانية ودعم الجيش اللبناني والتوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية تضمن سيادة لبنان واستقراره. وقد شددت باريس على ضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل والانتقال إلى حل سياسي يحفظ سيادة لبنان وسلامة أراضيه. أما سوريا فتبرز فيها أهمية التنسيق السعودي الفرنسي في دعم استقرار الدولة السورية ومؤسساتها والحفاظ على وحدتها وسيادتها. وترى المملكة أن المرحلة الحالية تتطلب دعم الخطوات التي تساعد السوريين على بناء دولة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات شعبها. وقد جددت الرياض في يوليو 2026 دعمها للخطوات الإيجابية التي تتخذها الحكومة السورية بما يحقق الأمن والاستقرار ويسهم في بناء مؤسسات الدولة. وتتقاطع هذه الرؤية مع الاهتمام الفرنسي بالمرحلة السورية الجديدة وبضرورة دعم الاستقرار ومنع تحول البلاد إلى مصدر جديد للفوضى أو ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية. ومن شأن التنسيق السعودي الفرنسي أن يوفر مساحة أوسع لدعم المسار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية ومساندة الجهود العربية والدولية في هذا الاتجاه. فلسطين وحل الدولتين تبقى القضية الفلسطينية في قلب التنسيق السياسي بين الرياض وباريس. وقد تحول التعاون بين البلدين في هذا الملف إلى مسار دبلوماسي واضح منذ أن ترأست المملكة وفرنسا المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين. وفي سبتمبر 2025 ترأس وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي في نيويورك نيابة عن سمو ولي العهد وبالشراكة مع الرئيس الفرنسي. وأسفر المؤتمر عن إعلان نيويورك الذي حظي بتأييد واسع من الجمعية العامة للأمم المتحدة وأكد الالتزام الدولي بحل الدولتين. ويستمر هذا التنسيق في ظل التطورات المتسارعة في غزة والضفة الغربية. فقد جددت المملكة وفرنسا مواقفهما الداعمة لوقف الحرب وإنهاء المعاناة الإنسانية ورفض الإجراءات التي تقوض قيام الدولة الفلسطينية. وفي الأسابيع الأخيرة تصاعدت المخاوف من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وقد شاركت فرنسا مع عدد من الدول الأوروبية في موقف رافض لمخطط التوسع الاستيطاني في منطقة E1 الذي يهدد التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية. ويأتي ذلك متقاطعاً مع الموقف السعودي الرافض للإجراءات الأحادية والاستيطان والداعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وفي 16 أغسطس 2026 شاركت المملكة مع عدد من الدول العربية والإسلامية في إدانة الرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق الرامية إلى استكمال تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة وكذلك رفض إقامة الدولة الفلسطينية. ويضع هذا التطور ملف فلسطين في صدارة القضايا التي ستحتاج إلى تنسيق سعودي فرنسي خلال المرحلة المقبلة. ومن المرجح أن تركز الرؤية المشتركة على تحويل التأييد الدولي لحل الدولتين من موقف سياسي إلى مسار عملي يضمن وقف الحرب ومعالجة الوضع الإنساني وإعادة إعمار غزة ودعم السلطة الفلسطينية وربط قطاع غزة بالضفة الغربية ضمن إطار سياسي يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية. إعادة تشكيل أمن المنطقة لا يمكن قراءة زيارة ولي العهد إلى باريس بمعزل عن التحولات التي تشهدها البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. فقد أعادت التطورات الأخيرة ترتيب أولويات دول المنطقة ودفعت المملكة إلى بناء شراكات أمنية متعددة المستويات تقوم على تنويع الشركاء وتعزيز القدرة على حماية المصالح الوطنية والإقليمية. وتأتي قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 مثالاً واضحاً على هذا التوجه. فقد وقع سمو ولي العهد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير أوجه التعاون الدفاعي وتنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع. ولا تبدو هذه الاتفاقية بديلاً عن الشراكات السعودية القائمة مع القوى الدولية وإنما تعكس اتجاهاً أوسع نحو بناء شبكة متعددة من العلاقات الأمنية والدفاعية. فا المملكة تعمل على تطوير قدراتها الوطنية وتعزيز شراكاتها مع دول كبرى وقوى إقليمية بما يتيح لها التعامل مع مصادر التهديد المختلفة ويمنحها مساحة أوسع للحركة السياسية والأمنية. ومن هذه الزاوية تكتسب الشراكة مع فرنسا أهمية خاصة. فباريس قوة أوروبية وعضو دائم في مجلس الأمن وتمتلك قدرات عسكرية وصناعية متقدمة وحضوراً في مناطق استراتيجية من الشرق الأوسط. كما أن فرنسا تنظر إلى السعودية بوصفها شريكاً رئيسياً في الخليج وقوة قادرة على التأثير في مسارات التسوية الإقليمية. وتتلاقى هذه المصالح مع الحاجة إلى صياغة ترتيبات أمنية أكثر توازناً في المنطقة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها ورفض استهداف المنشآت المدنية وحماية الممرات البحرية وفتح المجال أمام الحلول السياسية. شراكة تتجاوز الحدود وتعتبر و زيارة سمو ولي العهد إلى باريس محطة متقدمة في علاقة لم تعد محكومة بملف واحد أو مجال واحد. فالاقتصاد والاستثمار يفتحان مساحات جديدة للشراكة فيما يوفر التعاون الدفاعي والأمني قاعدة صلبة للعلاقة ويمنح التنسيق السياسي الرياض وباريس قدرة أكبر على التأثير في الملفات الإقليمية. وتتزامن الزيارة مع تحركات سعودية مكثفة لإعادة صياغة العلاقات الدولية وفق رؤية تقوم على تنويع الشراكات وتوسيع الخيارات وحماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وفي المقابل تجد فرنسا في المملكة شريكاً يتمتع بثقل سياسي واقتصادي متزايد وبقدرة على لعب أدوار مؤثرة في قضايا الطاقة والأمن والسلام الإقليمي.وتعكس التحضيرات للقاءات الاقتصادية في باريس هذا الاتجاه. فاجتماع الطاولة المستديرة السعودي الفرنسي للاستثمار يستهدف الانتقال من مرحلة عرض الفرص إلى بناء شراكات عملية في الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية وغيرها من القطاعات. كما أن الاتصالات المتكررة بين قيادتي البلدين قبل الزيارة أكدت أن الملفات السياسية والأمنية ستظل حاضرة بقوة إلى جانب الاقتصاد. فقد ركز اتصال 7 أغسطس على الأمن والاستقرار وحرية الملاحة بينما بحث اتصال يونيو تطورات المنطقة والجهود الدبلوماسية وخفض التصعيد. ومن شأن نتائج اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية أن تحدد مستوى جديداً من العلاقة خلال السنوات المقبلة إذا نجح الطرفان في تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات اقتصادية واتفاقات أمنية وبرامج ثقافية وتعليمية وتنسيق سياسي مستمر. وتحمل زيارة سمو ولي العهدالأمير محمد بن سلمان إلى باريس في هذا التوقيت رسالة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى طبيعة الدور الذي باتت المملكة تؤديه في محيطها الإقليمي والدولي. فالرياض لا تتعامل مع أمن المنطقة من زاوية المواجهة وحدها وإنما تدفع باتجاه الحوار وخفض التصعيد والحلول السياسية في الوقت الذي تعمل فيه على تعزيز قدراتها وشراكاتها الدفاعية. أما باريس فتجد في هذا النهج السعودي مساحة واسعة للتعاون مع قوة إقليمية تمتلك حضوراً اقتصادياً وسياسياً متنامياً. ومن هنا فإن الشراكة السعودية الفرنسية تبدو مقبلة على مرحلة أكثر اتساعاً تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والتحركات الدبلوماسية وتتكامل فيها رؤية البلدين بشأن حماية الاستقرار وحرية الملاحة ودعم الحلول السياسية لقضايا المنطقة. ونتائج الزيارة لن تقاس بعدد الاتفاقيات التي ستوقع في باريس فقط وإنما بقدرة الرياض وباريس على تحويل الشراكة الاستراتيجية إلى مسار طويل الأمد يحقق مصالح البلدين ويسهم في معالجة أزمات المنطقة ويدعم أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة ويفتح الطريق أمام تسويات سياسية أكثر واقعية للأزمات التي ما زالت تثقل كاهل الشرق الأوسط.