ولكن أحبّوا أعداءكم

1-"وَإِلى الموتِ لَم يُسلِمني""أدَّبني الربّ تأديباً، وإلى الموت لم يُسلِمني" نعم، "الله حُبٌّ" يتعامل مع الانسان بالرحمة، بتَدبير أبَويّ لتقويم طريقه في الحياة: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. وَمَا أَحْيَاهُ الْآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الْإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللَّهِ الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي". بهذا يحيا الانسان المحبوب ويفهم أنّ "الحياة ليست أنت بل أنت مع الآخر" لأنّ "الناس في ما يتَواجَهون إن كان الله فيهم" يُفيد المطران جورج. "بالحبّ جعلك (الله) من جنسه اذ تبنّاك. هذه مودّة من الله نُقابلها نحن بالطاعة"ـ هذا تأديبه المُنطلق من الحبّ وحسْب! وهذا معنى كلمة الطرسوسيّ: "تَكفيكَ نِعمَتي، لِأَنَّ قُوَّتي تُكمَلُ في ٱلوَهن!"."وَإِلى الموتِ لَم يُسلِمني" هذا الكلام تعبير عن مشاعر الشكر والامتنان لله بعد المرور بضيقٍ شديد أو تجربة قاسية. وهو كلام يدعونا الى تبنّي ذهنيّة الامتنان والنجاة: أي النظر إلى النتيجة النهائية للأمور، وهي أنّك ما زلتَ على قيد الحياة وتملك فرصة جديدة، بدلاً من التركيز على حجم المعاناة الناتجة من مرض أو ضائقة مالية أو صدمة عاطفيّة... "عليك التعامل مع الصعوبات على أنها مدرسة لتطوير شخصيّتك وتَنقِيَة مَعدنك، وليس كوسيلة لتَدميرك". تذكّر دوماً أنّ الضيق مَهما طال له نهاية. واسأل: ماذا يُمكنني أن أتعلّم من هذا الموقف لأصبح إنسانًا أفضل أو أكثر حكمة؟2-"لا تَغرُبَنَّ الشَّمْسُ على غَيظِكم""إغضَبوا ولا تُحطِئُوا" تقول الرسالة الى كنيسة أفسُس. من الطبيعيّ أن نشعر بالغضب أحياناً، ويُفضِّله الرسول على الخطيئة حتّى لا تجد نفسك غارقاً في الشعور بالمرارة أو الظلم. "ما تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم" أي بادر الى حلّ الخلافات وإنهائها قبل نهاية اليوم وقبل أن تنام. إذاً يُعَدّ ضبط الّلسان وضَبط النفس وكَبح الغضب المقياس الحقيقيّ لقوّة الإنسان الروحيّة في كلّ الأديان. يختصر ما تقدّم قَولٌ للبابا شنوده الثالث: "مالكُ روحِه خيرٌ مِمَّن يملك مدينة".فالغضب عاطفة شائعة بل صحيّة للتعبير عن الشعور. ولكن عندما يصبح مفرطاً وغير مُتَوقَّع، أو يؤثر سلباً على العلاقات والحياة اليومية، ويصير من الضروري طلب المساعدة. لِلتحكُّم بغضبك، إبدأ بالتمهُّل والحديث إلى نفسك بصيغة المتكلِّم، لِلوصول إلى مرحلة استعادة توازنك. ففي كثير من الأحيان، يخفي الغضب مشاعر أعمق مثل الخوف، الإحباط، الحزن، أو الصدمات النفسيّة. لِذا إذا اشتدّ غضبك وساء، تجنَّب التمادي في استرجاع الإساءة، وبادر الى العلاج لِلتحكُّم به.ما هو العلاج؟"هو نهج نفسيّ منظَّم يساعد الأفراد على التعرُّف الى المُحفِّزات التي تؤدّي إلى الغضب، وتطوير أدواتٍ عمليّة للتحكُّم برُدُود أفعالهم". فتَعود الى التعبير الصحي والتوازن العاطفيّ، أي بمجرد أن تفكّر بوضوح، عبِّر عن إحباطك بطريقة حازمة ولكن غير تصادميّة. واذكر مخاوفك واحتياجاتك بوضوح وبشكلٍ مباشر من دون إيذاء الآخرين أو محاولة السيطرة عليهم". وللتنفيس عنه يمكنك ممارسة أنشطة بدنيّة مُمتعة، أو أخذ فترات استراحة بين الفَينة والأُخرى أو الّلجوء الى مهارات الاسترخاء. كما يمكنك استِخدام ضمير المتكلِّم وتحدَّث عن أفعالك فقط أثناء وصف المشكلة مع غيرك. وهكذا عند مسامحة شخص أغضبك، قد يتعلَّم كِلاكُما من الموقف وتتعزَّز علاقتكما. أو استخدِم الفُكاهة فتَنزع فتيل التوتُّر.3-"ليتمكّن بذلك الجميع من التأمّل في الثمرة التي تحملونها"صدَق مَن قال: "قبل دُنُوّ شيخوختي، صرت أفهم أنّ الله غريب عن كثير من الناس. هُم يستعملونه. يُريدونه لهم". فإنّ بعضاً من "مسيحيّي" لبنان، في تقليد للصهيونيّ، لا يتقبّل وصيّة المحبّة- بل أسقطها - مُختاراً الموت على الحياة والغضب على المختلِف عنه عازِياً إليه اختيار الموت وتفضيله. بينما الواقع يُشير الى أنّ الطرَف المقابِل هو مَن يُحبّ الحياة: "نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلًا / وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلًا / وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاً". فلو كان هؤلاء المسيحيّون يعرفون أنّ الله يحبّهم لبادلوه الحبّ كما كتَب المطران جورج (خضر) "أنت في الله وهو فيك. هذا اختبار. أعمق ما لك من معرفته أنك تحبه بدءاً من علمك انه يحبك"، وأنّه "إِن أَحبَبتُمُ ٱلَّذينَ يُحِبّونَكُم فَأَيُّ فَضلٍ لَكُم؟ فَإِنَّ ٱلخَطَأَةَ أَيضًا يُحِبّونَ ٱلَّذينَ يُحِبّونَهُم" بحسَب يسوع. بعضٌ من مجتمعنا الّلبنانيّ اعتبر أنّه يتبنّى ثقافة الحياة في مقابِل بعض آخَر اختار ثقافة الموت واستسلم لها. متناسِياً هكذا أنّ المقاومة "في سبيل الحق والعدالة والحريّة هي ما يعطي معنى للحياة"، وهذا ما فعله يسوع الذي "وطىء الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور" - قبور التخاذل والاستسلام للأكل والشرب والنوم والتزاوج واللهو ليتمّ فيهم القَول المأثور: "قد ماتَ قوْمٌ وما ماتَتْ مكارِمُهُمْ، وعاشَ قوْمٌ وهُمْ في الناسِ أمواتُ"... "ليتمكّن بذلك الجميع من التأمّل في الثمرة التي تحملونها" أي بحُبّ بعضكم بعضاً كما أحبّكم المسيح !