وقتك له سعر… من يستطيع شراء طريق أقصر؟

يقف مسافران أمام الإجراء نفسه: أحدهما ينتظر في الطابور، والآخر يدفع في مقابل مسار مخصص. وفي منزلين متجاورين، تقضي أسرة جزءاً من عطلتها في التنظيف، بينما تستعين أخرى بخدمة مدفوعة. الجميع يملك أربعاً وعشرين ساعة، لكن القدرة على التحكم بها ليست متساوية.

تقوم خدمات كثيرة على هذه الفكرة: دفع المال لتقليل الوقت المطلوب لإنجاز مهمة، أو إسنادها إلى شخص آخر. وقد يكون ذلك قراراً عملياً يتيح العمل والراحة ورعاية الأسرة، لكنه يكشف أيضاً وجهاً للتفاوت الاقتصادي، حين يستطيع البعض شراء طريق أقصر، بينما يتحمل آخرون تكلفة الانتظار.

وجدت دراسة نشرها الباحثان ستيفن هولت وكايتي فينوبال في مجلة "نيتشر هيومان بيهيفيور" في عام 2023، باستخدام بيانات مسح استخدام الوقت الأميركي، أن منخفضي الدخل يقضون نحو 12 دقيقة إضافية في انتظار الخدمات عندما يحدث الانتظار، مقارنة بمرتفعي الدخل.

وقدّرت الدراسة الفارق بست ساعات إضافية على الأقل سنوياً، ولم تتمكن الاختلافات في التعليم والعمل والتنقل والالتزامات الأسرية من تفسيره كاملاً.

هذه نتيجة أميركية، وليست تقديراً للعالم كله، لكنها توضح أن محدود الدخل قد يدفع ثمن الخدمة من ميزانيته ومن وقته معاً. وقد تصبح ساعة الانتظار أشد تكلفة إذا اضطر إلى التغيب عن عمل مدفوع بالساعة أو ترتيب رعاية لأطفاله.

يعرض موقع "مرحبا" في مطار دبي الدولي خدمة المسار السريع بسعر يبدأ من 28.59 دولاراً للشخص، إلى جانب باقات أوسع للمرافقة والمساعدة.

وفي مطار هيثرو البريطاني، تبدأ خدمة المسار السريع للمغادرين من 12.99 جنيهاً إسترلينياً للشخص، أي نحو 17.4 دولاراً، وتتيح استخدام مسارات مخصصة للفحص الأمني.

تختلف الخدمتان في الإجراءات المشمولة، والأسعار ابتدائية وقابلة للتغير، كما أن الدفع لا يضمن اختصار عدد محدد من الدقائق. يشتري الزبون أولوية أو مساعدة قد تقلل الانتظار، وتخفف بعض أعباء السفر.

وقد تكون لهذه الخدمة قيمة مختلفة بحسب ظروف المسافر: موعد عمل لا يحتمل التأخير، أو رحلة مع أطفال، أو حاجة إلى مساعدة في التنقل. لذلك، لا يمكن اختزال كل إنفاق لتوفير الوقت في الترف.

في الأسواق العربية، تتيح تطبيقات التوصيل والخدمات المنزلية تفويض التسوق والتنظيف والإصلاح وغيرها من المهام. وتعرض منصات مثل "جست لايف" خدمات منزلية مع إمكانية حجز مواعيد في اليوم نفسه بحسب التوافر.

لكن توفير الوقت ليس مرادفاً للسرعة دائماً. فالاشتراك الذي يقلل رسوم التوصيل قد يجعل الخدمة أوفر، من دون أن يمنح صاحبه أولوية في التنفيذ. لذلك، يحتاج المستهلك إلى معرفة ما يدفع في مقابله فعلياً، واحتساب الرسوم والشروط والوقت الذي تتطلبه متابعة الطلب.

ويمكن تبسيط الحساب بمثال افتراضي: إذا وفّرت خدمة تكلفتها 10 دولارات ساعتين، تصبح تكلفة الساعة المستعادة خمسة دولارات. لكن القرار لا يتحدد بالأجر وحده؛ قد تُستخدَم الساعتان للنوم أو رعاية طفل أو الراحة، وتبقيان قيّمتين حتى من دون دخل إضافي.

ربطت ورقة علمية منشورة في عام 2017 في دورية الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم، شملت سبع دراسات بأكثر من ستة آلاف مشارك، بين الإنفاق على خدمات توفير الوقت وارتفاع الرضا عن الحياة.

وفي تجربة من ضمن البحث، أنفق 60 شخصاً عاملاً في فانكوفر مبلغين يعادل كل منهما 40 دولاراً، في عطلتين متتاليتين: أحدهما على خدمة توفر الوقت، والآخر على مقتنيات. وسجلوا مشاعر إيجابية أفضل بعد شراء الخدمة الموفرة للوقت.

لكن النتيجة ليست دعوة إلى مضاعفة الاشتراكات. قد تستهلك الرسوم المتكررة جزءاً من الدخل، أو يبدد سوء الخدمة الوقت المفترض توفيره. وتبقى الفائدة مرتبطة بما تختصره الخدمة فعلياً وبقدرة الأسرة على تحمل تكلفتها.

يختلف شراء الراحة عن الوصول إلى خدمة أساسية. ففي تقرير "الصحة في لمحة 2025"، وجدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أصحاب الدخل الأدنى كانوا أكثر عرضة بنحو 2.5 مرة إلى الإبلاغ عن احتياجات طبية غير ملباة مقارنة بأصحاب الدخل الأعلى، في متوسط 28 دولة ببيانات عام 2024.

وتشمل الأسباب التكلفة والمسافة والانتظار؛ لا يجوز اختزال الفارق في قوائم الانتظار وحدها، أو افتراض أن الدفع للقطاع الخاص يضمن موعداً أسرع. لكن الأرقام تبرز أهمية ألا يصبح الوصول إلى العلاج في وقت مناسب امتيازاً مالياً.

وفي الرعاية المنزلية، قد تساعد إمكانية الاستعانة بخدمة مدفوعة على قبول وظيفة أو الاستمرار فيها. قدّرت منظمة العمل الدولية أن 708 ملايين امرأة عالمياً كن خارج القوى العاملة بسبب مسؤوليات الرعاية في عام 2023. وبين النساء خارج القوى العاملة، بلغت نسبة من ذكرن الرعاية سبباً لعدم المشاركة 59% في إقليم الدول العربية و63% في شمال أفريقيا، وفق تصنيف المنظمة.

وراء الطلب الذي يصل إلى الباب شخص يقود، ووراء المنزل النظيف عامل يؤدي المهمة. الوقت لا يختفي؛ تُنقَل بعض المهام إلى مقدمي الخدمات، وقد يُختصَر الوقت الإجمالي أيضاً بفضل التخصص والتنظيم.

لذلك، تكتمل جدوى هذه السوق حين توفر وقت العميل وتمنح العامل أجراً وشروطاً عادلة، بدلاً من تحويل وعد السرعة إلى ضغط لتنفيذ مهام أكثر في وقت أقل.

ويمكن لتحسين النقل والخدمات العامة والحضانة والإجراءات الرقمية أن يوفر ساعات لمن يستطيعون الدفع ومن لا يستطيعون. قد تكون الطريق الأقصر خدمة مفيدة، لكن الطريق العادية ينبغي أن تبقى مقبولاً، وألا تعاقب بطولها من لا يملكون ثمن الاختصار.