ADVERTISEMENT

وقائع غير مسبوقة.. هل انهارت الدبلوماسية الأمريكية في عهد ترامب؟

AL-KHALEEJ
May 22, 2026

في مقابلات مع أكثر من 50 من كبار الدبلوماسيين الأمريكيين ومسؤولي البيت الأبيض وسفراء، تقاعدوا مؤخراً، إضافة إلى عشرات المسؤولين الأجانب والدبلوماسيين والمشرعين في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا، أوردت وكالة رويترز وقائع غير مسبوقة عن انهيار الدبلوماسية الأمريكية التقليدية في عهد الرئيس دونالد ترامب.وفي واقعة لم يكشف عنها مسبقاً، عندما هدّد ترامب إيران في السابع من إبريل/ نيسان بأن «حضارة كاملة ستفنى الليلة»، سارع دبلوماسي أوروبي في واشنطن إلى طرح سؤال مثير للقلق على حكومته: هل كان الرئيس الأمريكي يفكر في استخدام سلاح نووي؟وفي مختلف أنحاء أوروبا وآسيا، تجاوز القلق مسألة جدّية التهديد من عدمها، حيث كان أحد المخاوف الملحّة أن تستغل روسيا الفرصة لتبرير تهديدات مماثلة في أوكرانيا، ما يؤدي إلى أزمة نووية في قارتين. وسعت الحكومات الأوروبية، على الفور، للحصول على تطمينات عبر القناة التقليدية: وزارة الخارجية الأمريكية. لكن الرد الذي تلقته كان أكثر إثارة للقلق: المسؤولون هناك لا يعرفون ماذا قصد ترامب، ولا الإجراءات التي قد تنذر بها كلماته.تكشف هذه الواقعة، التي لم تُنشر من قبل، عن انهيار تاريخي للدبلوماسية الأمريكية. فبينما يقود الولايات المتحدة رئيس يصعب توقع تصرفاته، تسعى الحكومات في جميع أنحاء العالم للحصول على توضيحات، لتكتشف أن قنوات الاتصال المعتادة، سواء في السفارات الأمريكية أو داخل واشنطن، غائبة أو صامتة، أو لا تملك أي معلومات.109 مناصب لسفراء الولايات المتحدة في حالة شغوربعد أكثر من عام على ولاية ترامب الثانية، لا يزال ما لا يقل عن 109 من أصل 195 منصباً لسفراء الولايات المتحدة شاغراً في جميع أنحاء العالم، وفقاً للجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية. وفي منطقة الشرق الأوسط المضطربة، هناك تسع سفارات بلا سفير أمريكي.وغادر نحو 3000 موظف وزارة الخارجية العام الماضي، أي ما يقارب 15% من العاملين داخل الولايات المتحدة، فُصل نصفهم تقريباً، وقبل الآخرون عروض الاستقالة مقابل تعويضات. ثم في ديسمبر، أمر وزير الخارجية ماركو روبيو، باستدعاء غير مسبوق لنحو 30 سفيراً من جميع أنحاء العالم، معظمهم من الدبلوماسيين المحترفين. وأطلق بعض السفراء المغادرين على هذه الخطوة في جلساتهم الخاصة «مذبحة ليلة السبت».رفض فكرة الانهياروترفض إدارة ترامب فكرة الانهيار، قائلة إن التغييرات عززت الدبلوماسية الأمريكية. وقال تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية: «للرئيس الحق في تحديد من يمثل الشعب الأمريكي ومصالحه في جميع أنحاء العالم». وأضاف أن السفارات الأمريكية «مزودة بعدد كاف من الموظفين» وقد أبلت بلاء حسناً خلال الحرب مع إيران.أما باربرا ليف، الدبلوماسية المتقاعدة فتقول: «يجب أن يكون لهذه البعثات سفراء عندما تكون في حالة حرب.. في لحظة الأزمة، وهي أزمة بلا نهاية واضحة، تركت هذه الإدارة هذه البعثات في حالة محفوفة بالمخاطر».فوضى دبلوماسيةتجربة بريدجيت برينك، سفيرة الولايات المتحدة السابقة في كييف، تلخص حجم الفوضى التي تعانيها الدبلوماسية الأمريكية، ففي مارس 2025، بعد أيام قليلة من لقاء ترامب المثير مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في البيت الأبيض، قطعت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. وتقول برينك في مقابلتها مع «رويترز»: «عندما حاولنا معرفة سبب وقفها، لم نحصل على أي إجابة». وتضيف أنها تواصلت مع البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض «كل مكان استطعنا الوصول إليه.. كنا قلقين للغاية بشأن ما يعنيه هذا ليس فقط للأوكرانيين، بل لأمننا أيضاً».كان طاقمها يعمل خلف الكواليس لإقناع الإدارة باستئناف المساعدات، وهو ما وافقت عليه لاحقاً. لكنها لم تتلق قط، تأكيداً رسمياً عن سبب وقف المساعدات في المقام الأول.أما القشة التي قصمت ظهر البعير، برأيها، فكانت سياسة «الاسترضاء» التي انتهجها ترامب تجاه روسيا، وقد استقالت برينك احتجاجاً في إبريل 2025. وبعد شهرين، أعلنت ترشحها للكونغرس عن الحزب الديمقراطي.دبلوماسية «تروث سوشيال»في مجلس الأمن القومي، الذي ينسق تقليدياً السياسة الخارجية والدفاعية، خفض ترامب عدد الموظفين من مئات الأشخاص إلى بضع عشرات فقط. وعلى مدى أشهر، لم يعقد موظفو المجلس أي اجتماعات منتظمة، وواجهوا حظراً فعلياً على عقد اجتماعات مشتركة بين الوكالات بشأن الأمن القومي، وفقاً لثلاثة مسؤولين أمريكيين، حاليين وسابقين.ويقول مسؤولون إن الموظفين تلقوا القليل من التوجيهات الرسمية بشأن موضوعات رئيسية، مثل الحرب في أوكرانيا أو مستقبل الناتو. وبدلاً من ذلك، كانوا يراقبون حساب ترامب على منصة «تروث سوشيال» بحثاً عن إشارات سياسية. وأبقى كثير منهم حساب ترمب مفتوحاً على شاشة مخصصة، واستجابوا بسرعة عند صدور منشورات جديدة.الدبلوماسية الموازيةفي ظل إفراغ وزارة الخارجية من كوادرها، عهد ترامب بالدبلوماسية الحساسة إلى مبعوثين خاصين، أبرزهم صهره غاريد كوشنر، وصديقه المطور العقاري ستيف ويتكوف. ولا يتولى كوشنر أي منصب حكومي رسمي، ولا يمتلك ويتكوف أي خبرة دبلوماسية سابقة.وفي الفترة التي سبقت الحرب مع إيران، التقى كوشنر وويتكوف بمسؤولين إيرانيين في جنيف في أواخر فبراير، لكنهما لم يصطحبا معهما خبراء نوويين أمريكيين. وفي الأشهر التسعة السابقة، كانت إدارة ترامب قد طردت ما لا يقل عن ستة خبراء نوويين في الشؤون الإيرانية.ويقول دبلوماسي أوروبي كبير إن الفريق الأمريكي واجه صعوبة في فهم أهمية عتبات تخصيب اليورانيوم المختلفة، وعناصر أخرى من برنامج إيران النووي خلال محادثات جنيف، ما أجبر المسؤولين الأوروبيين على شرحها. ويتساءل الدبلوماسي: «كيف يمكنك التفاوض وأنت لا تفهم الأساسيات؟».كما احتوت تصريحات ويتكوف عن البرنامج النووي الإيراني على أخطاء فنية عدة. ففي إحدى المرات، وصف جهاز الطرد المركزي الإيراني «آي آر-6» بأنه «ربما أكثر أجهزة الطرد المركزي تقدماً في العالم»، في حين أنه ليس حتى الأكثر تقدماً في إيران، بحسب كيلسي دافنبورت، من جمعية مراقبة الأسلحة.ووجدت «رويترز» أن بعض الحكومات الأجنبية تعطي الآن الأولوية للتواصل مع كوشنر وويتكوف على القنوات الرسمية.9 % فقط محترفونفي الإدارات الأمريكية على مدى نحو 50 عاماً، شكل الدبلوماسيون المحترفون عادة ما بين 57% و74% من السفراء. أما في ولاية ترامب الثانية، فيمثلون نحو 9% فقط، من السفراء المعينين، وهو انخفاض كبير في الخبرة المؤسسية.ويقول بريان نيكولز، الذي شغل منصب سفير في بيرو وزيمبابوي: «نحن نمارس دبلوماسيتنا وإحدى ذراعينا مقيدة خلف ظهورنا».وعلى هذه الخلفية، تظهر مجموعة جديدة من الدبلوماسيين المتوافقين مع أجندة ترامب. وتسعى منظمة «بن فرانكلين فيلوشيب»، التي أُسست عام 2024 بدعم مالي من مؤسسة «هيريتيج» المحافظة، إلى تعزيز وجود المحافظين داخل وزارة الخارجية. ويقول مات بويس، المؤسس المشارك للمنظمة: «نحن نساعدهم على معرفة ما إذا كان شخص ما جزءاً من المقاومة».طرق غير تقليديةأمام انهيار قنوات الاتصال التقليدية، اضطر حلفاء الولايات المتحدة إلى ابتكار طرق غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض.فعندما فرض ترامب رسوماً جمركية بنسبة 25% على كوريا الجنوبية، لجأ المسؤولون الكوريون إلى التواصل المباشر مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، متجاوزين المفاوضين التجاريين الأمريكيين. أما اليابان، فقد وجدت وسيطاً غير متوقع في ماسايوشي سون، مؤسس «سوفت بنك» ورفيق ترامب في لعبة الغولف.ويقول شيغيرو إيشيبا، رئيس الوزراء الياباني السابق، لـ«رويترز» إن حكومته نقلت رسائل إلى ترمب عبر سون، وهي المرة الأولى التي يُعترف فيها علناً بدور قطب التكنولوجيا كقناة خلفية. ويضيف إيشيبا أن التواصل المباشر مع ترامب كان ضرورياً لأن «الأشخاص المحيطين به جميعهم من المتملقين».على خطى ميركلومع تحول ترامب للمعايير الدبلوماسية بسلسلة من التهديدات للأعداء والحلفاء، على حد سواء، يتبنى عدد متزايد من الحلفاء نهجاً جديداً: ضبط النفس بدلاً من المواجهة.فعندما هدّد ترمب بإبادة إيران في إبريل، صاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا بياناً مشتركاً، وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه «شديد اللهجة»، ثم اختاروا عدم إصداره. ويقول الدبلوماسي الذي ساعد في صياغة البيان: «اعتقدنا في النهاية أنه كلما نبح هكذا، لا يعض». وخشي المسؤولون الأوروبيون من أن يؤدي التوبيخ العلني إلى دفع تارمب لمواصلة القصف. وبحلول المساء، أعلن ترمب وقف إطلاق النار.ويطلق بعض الدبلوماسيين الأوروبيين على هذا النهج «طريقة ميركل»، نسبة إلى المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، التي اعتمدت خلال ولاية ترامب الأولى على استيعاب الاستفزازات من دون رد فعل علني.ويقول تاكيشي إيوايا، وزير الخارجية الياباني السابق: «كانت تصريحات الرئيس ترمب تتغير باستمرار، لذا توقفنا بمرور الوقت عن الرد على كل تصريح منها، فالرد قد يؤدي إلى إثارة ردود فعل غير ضرورية فقط».دبلوماسية الشخص الواحديرى فولفغانغ إيشينغر، السفير الألماني السابق في واشنطن، أن النهج الأمريكي الحالي يعكس تركيزاً هائلاً للسلطة على السياسة الخارجية في شخص واحد، هو ترامب. ويقول: «هذا الشخص يتخذ القرارات، أحياناً بين عشية وضحاها، وأحياناً في اجتماع رسمي، وأحياناً لا. هذا مختلف تماماً، ولست متأكداً من أن أسلوب ترمب في اتخاذ القرارات يوفر فعلاً ضمانة لاتخاذ قرارات جيدة».وتحذّر مارغريت ماكميلان، أستاذة التاريخ الدولي في جامعة أكسفورد، من أن إدارة ترمب تقوض قدرة واشنطن على فهم العالم الذي تعمل فيه. وتقول: «لن نتمكن من استخدام الدبلوماسية كما فعلنا من قبل لبناء العلاقات، والتوصل إلى اتفاقات تعود بالنفع على الجانبين، وتجنب الحروب وإنهائها».أما تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، فيرفض فرضية الانهيار، قائلاً: «المشاركة المباشرة المستمرة من أعلى مستويات هذه الإدارة في جميع أنحاء العالم ميزة»، ويضيف أن «أي شخص يدعي عكس ذلك لا يعرف ما الذي يتحدث عنه».

شارك هذا المقال

اقرأ المقال كاملاً على المصدر

مقالات ذات صلة

المسلّحون يحاصرون باماكو… ولا عودة إلى الديار هذا العيد
في ظلّ الحصار الذي يفرضه المسلّحون على العاصمة المالية باماكو، يبدو المسلمون مضطرين إلى قضاء عيد الأضحى، المعروف محليّاً باسم تاباسكي، بعيداً من عائلاتهم، هذا العام، بعدما أُغلق طريق العودة إلى الديار. وتخلّى ألفا أمدو (40 عاماً)، وهو من مدينة موبتي، الواقعة في وسط البلاد، عن رحلته المعتادة إلى مسقط رأسه. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»:…
AL SHARQ AL AWSAT
May 23, 2026
منظمة الصحة العالمية ترفع خطر تفشّي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية
رفعت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، مستوى خطر تفشّي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية من «مرتفع» إلى «مرتفع جداً» على الصعيد الوطني.
AL SHARQ AL AWSAT
May 23, 2026
ADVERTISEMENT
All Portals 🇱🇧🇦🇪🇪🇬🇸🇦 كل البوابات
آخر الأخبار سياسة إقتصاد وأعمال رأي دولي رياضة ترفيه مجتمع محلي