وقائع حية لمفتشين.. هكذا مارست إيران «لعبة الخداع النووي»

أدلة ساقها خبراء كبار في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، للتحذير من أنه حتى في حال التوصل للاتفاق نووي جديد، فإن ذلك لن يكون رادعاً كافياً من أجل منعها من امتلاك سلاح نووي، مستشهدين بوقائع عايشوها خلال جولات تفتيشية هناك، ومن بينها تعطيل طهران لكاميرات المراقبة عمداً، فضلاً عن تقديم معلومات مغلوطة، وكذلك ترهيب المفتشين بطريقة اعتبروها مسيئة إلى حد كبير.ويرى خبراء أن الأوضاع التي طالعوها تكشف محدودية قدرة المراقبة والتحقق في مواجهة عدم الامتثال الإيراني المنسق للالتزامات النووية، ما دفعهم إلى القول إن الحل الدبلوماسي الكامل للحرب والذي يتضمن اتفاقاً نووياً جديداً لن يكون كافياً لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية.احتمال الحصول على قنبلة نوويةويقول جيمس أكتون، الفيزيائي الذي يرأس قسم السياسة النووية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: «أعتقد لأسباب فنية وسياسية على حد سواء.. إذا أرادت إيران الحصول على القنبلة في هذه المرحلة، فسوف تحصل عليها». وأضاف أكتون أنه يعتقد أن «هناك فرصة بنسبة 50-50% أن تحصل إيران على القنبلة خلال السنوات الثلاث المقبلة»، بحسب شبكة «سي إن إن».وقال مسؤول سابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ودبلوماسي أمريكي سابق إن هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة قللت في بعض الأحيان من شأن القضايا النووية لأسباب سياسية، بما في ذلك الجهود المبذولة لتقليل المواجهة مع إيران.وقال دبلوماسي أمريكي سابق: «كان الإيرانيون يلعبون لعبة الخداع والمراوغة، ويعرقلون باستمرار وصول مفتشي الوكالة، ويقدمون معلومات غير صحيحة أو غير معقولة بشكل مثير للسخرية».كاميرات معطلة ومفتشون مطرودونوافقت إيران في البداية على إبقاء معدات المراقبة التابعة للوكالة مثبتة وتخزين البيانات محلياً. لكن هذا الاتفاق انهار في منتصف عام 2021، عندما قام الإيرانيون بتعطيل كاميرات المراقبة، وتدمير إحداها، في ورشة عمل لأجهزة الطرد المركزي في كرج. وبعد حوالي عام، وتحديداً في يونيو 2022، طالبت إيران الوكالة بإزالة جميع معدات المراقبة الخاصة بالاتفاق النووي.كما قالت الوكالة إن أفراداً من قوات الأمن الإيرانية قاموا بترهيب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال «عمليات تفتيش جسدية مفرطة التوغل» في عام 2021.مفتش روسي يكشف سراً خطراًوفي يناير 2023، اكتشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجموعة غير معلنة من أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو النووية، كانت تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 83.7% من حيث النقاء، وهو مستوى يقترب من درجة الأسلحة (حوالي 90%). وجاء الاكتشاف عندما لاحظ مفتش روسي متمرس تغييراً طفيفاً في أنابيب جهاز الطرد المركزي، وفقاً لما ذكره دبلوماسي أمريكي سابق. وبعد أشهر، طردت إيران ذلك المفتش وعدداً من خبراء تخصيب اليورانيوم الآخرين التابعين للوكالة من البلاد.وصف رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، طرد المفتشين بأنه «ضربة خطِرة للغاية» لقدرة الوكالة على مراقبة البرنامج النووي الإيراني. وتدهورت العلاقة أكثر في السنوات اللاحقة، حيث تبادلت إيران والوكالة مزاعم التجسس.الوضع الحالي.. "انقطاع المعلومات"منذ فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما الجوية ضد إيران، لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة أي منشأة نووية إيرانية باستثناء محطة بوشهر، ولم يزر المفتشون المنشآت النووية التي سبق أن قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو 2025.وأكد مسؤولو الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن انقطاع عمليات التفتيش أدى إلى توقف «استمرارية المعرفة» بشأن اليورانيوم الإيراني وأجهزة الطرد المركزي والمواد ذات الصلة الخاضعة لرقابتها. وهذا يعني أن الوكالة لا تستطيع ضمان حالة هذه المواد أو كميتها أو موقعها.ومؤخراً كشف تحليل لصور أقمار اصطناعية تسريع إيران عمليات البناء والتحصين في موقع جبل الفأس القريب من منشأة نطنز النووية الرئيسية، والذي تشير معلومات مخابراتية إلى احتمال نقل أجهزة الطرد المركزي له، في حين هدد الرئيس دونالد ترامب بشن قصف عنيف على الموقع، لكن خبراء يشيرون إلى أن أعتى القنابل الأمريكية قد لا تصل إلى الأجهزة المحصنة تحت كتلة من الغرانيت في عمق الجبل.مهمة ضخمة لإعادة بناء خط الأساسووفقاً لخبراء، فإن إعادة تأسيس خط الأساس للمراقبة تمثل مهمة ضخمة للوكالة، ويقول إريك بروير، المدير السابق لمكافحة الانتشار النووي في مجلس الأمن القومي الأمريكي والباحث حالياً في مبادرة التهديد النووي غير الربحية: إن «الوكالة الدولية للطاقة الذرية تبدأ من عجز كبير للغاية عندما يتعلق الأمر بفهم الصورة على أرض الواقع في إيران»، ومضى قائلاً: «سيحتاجون إلى مراقبة أقوى بكثير ووقت أطول بكثير للعودة وإنشاء خط أساس جديد للمراقبة لمحاولة إعادة تجميع أجزاء اللغز».عقوبات قاسية محتملة تصطدم بفيتو روسيوفي تطور جديد يعكس تصاعد الأزمة النووية الإيرانية، صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأربعاء، لصالح إبلاغ مجلس الأمن الدولي بشأن عدم التزام إيران بضماناتها النووية، في خطوة تهدف إلى محاسبة طهران على ما وصفته تقارير دولية بأنه «تحدٍ منهجي» لنظام التفتيش والمراقبة، وفقاً لوثائق الأمم المتحدة.ويأتي هذا التصويت في ختام مسار طويل من التراجع الإيراني عن الامتثال النووي، بدأ بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وتحوّل تدريجياً إلى عرقلة ممنهجة لعمليات التفتيش، شملت تعطيل كاميرات المراقبة، وطرد مفتشين، وفرض «عمليات تفتيش جسدية مفرطة التوغل» على خبراء الوكالة.ومن المعلومات اللافتة، أن المرة الأخيرة التي رُفعت فيها تقارير عن طهران إلى مجلس الأمن كانت في أوائل عام 2006، واستجاب المجلس حينها بسلسلة من الإجراءات، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية قاسية.ومن غير الواضح ما إذا كان مجلس الأمن سيرد بالمثل هذه المرة؛ إذ إن روسيا والصين عضوان دائمان ولهما حق النقض (الفيتو) ضد أي إجراءات مقترحة.متى بدأ انهيار الامتثال الإيراني؟جاء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، بعد 20 شهراً من المفاوضات المكثفة بين إيران والولايات المتحدة ودول أخرى. وشملت أبرز بنود الاتفاق، فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، لا سيما أنشطة تخصيب اليورانيوم. كما حدّد سقفاً لمخزون إيران من اليورانيوم المخصب لعقد أو أكثر، مع تصدير معظم الفائض إلى روسيا لتدميره. وقيّد تصنيع أجهزة الطرد المركزي، وإعادة معالجة البلوتونيوم، وتصميم الأسلحة النووية. إضافة إلى منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق تنفيذ أكثر مخططات المراقبة، وشملت: الأختام، والكاميرات، وأجهزة الاستشعار، وعمليات التفتيش الشخصية اليومية، إضافة إلى آلية للتحقيق في المنشآت النووية السرية المشتبه فيها.وعندما دخل الاتفاق حيز التنفيذ في يناير 2016، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام الإيرانيين ببنوده. وحتى منتصف عام 2019، ظلت إيران ملتزمة بمتطلبات الوصول إلى أجهزة الطرد المركزي، وبضمانات الاتفاق، وبمخزونها المعلن من اليورانيوم، رغم انسحاب ترامب من الاتفاق في مايو 2018.لكن بدأ امتثال إيران بالانهيار تدريجياً اعتباراً من عام 2019، وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كانت تصدر بشكل ربع سنوي تقريباً. وفي يوليو 2019، أفاد المفتشون بأن إيران جمعت كميات كافية من اليورانيوم منخفض التخصيب لتجاوز الحد الأقصى الذي فرضه الاتفاق. وبعد أشهر استأنفت طهران التخصيب باستخدام أجهزة طرد مركزي متطورة في منشآت كان الاتفاق قد حظر هذا النوع من العمل فيها.وفي عام 2020، منعت إيران مفتشي الوكالة من الوصول إلى موقعين يُشتبه في استخدامهما لأنشطة نووية قبل توقيع الاتفاق. ثم في ديسمبر 2020، أقر البرلمان الإيراني قانوناً قلّص التعاون مع الوكالة فيما يتعلق ببنود المراقبة والتحقق المعززة. ونص القانون، الذي صدر في أعقاب اغتيال إسرائيل لعالم إيراني بارز، على تسريع البرنامج النووي - بما في ذلك تخصيب اليورانيوم إلى نسبة نقاء 60% - ما لم تخفف الولايات المتحدة العقوبات. وتُعدّ نسبة 60% عتبة أساسية تُمكّن من إجراء المزيد من عمليات التخصيب السريع لإنتاج مواد صالحة لصنع الأسلحة.وأدى التخصيب المستمر وانعدام الصراحة بشأن المواقع النووية غير المعلنة إلى إصدار الوكالة قراراً في يونيو 2025 يعلن أن إيران انتهكت تعهداتها بعدم الانتشار النووي. ثم شنت إسرائيل ضربات ضد إيران في اليوم التالي لإصدار القرار. كما قامت الولايات المتحدة بقصف ثلاثة مواقع نووية رئيسية في فوردو وناتانز وأصفهان بعد أقل من أسبوعين.