وطن يكتب المستقبل

في الثالث والعشرين من سبتمبر 2026م، تحتفي المملكة العربية السعودية بيومها الوطني، تحت شعار «عزّنا بطبعنا». وليس هذا الشعار وصفاً لمناسبة عابرة، بل استدعاء لطباع أصيلة صنعت التجربة السعودية، شجاعة عند البدايات، وكرم في الرخاء، ووفاء في المواقف، وطموح حين يصبح المستقبل مشروعاً وطنياً. ولم تبدأ قصة المملكة من النفط، كما تختصرها بعض القراءات، بل بدأت من مشروع سياسي وإنساني سبق اكتشافه؛ مشروع أعاد جمع أرض واسعة، وحّد مجتمعاً متعدد المناطق والبيئات، وأرسى الأمن، وبنى مؤسسات الدولة، ثم حوّل الموارد إلى مدارس ومستشفيات وطرق وجامعات ومدن صناعية. ومنذ إعلان التوحيد عام 1932م على يد الموحد الملك عبد العزيز آل سعود - طيب الله ثراه، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله، لم تكن المملكة تسير في خط ثابت، بل تنتقل من مرحلة إلى أخرى متطورة، محتفظة بجذورها، ومجددة أدواتها، وموسعة حضورها الإقليمي والدولي. ومن خلال هذا التقرير نوجز ما مرت به المملكة منذ توحيدها بخمس قصص مختلفة، لكنها تجتمع في قصة وطن واحد. منذ أن كانت كما قال الشاعر الشعبي: من عقب ما كانت معاشيش وخيام .. ومن الجهل بالشرع يعبد صنمها. صارت سعودية تعامل بالأرقام .. بين الدول دايم مخضر سهمها. ويكفي فخر لا نكست كل الأعلام .. تبقى بلادي ما ينكس علمها. دولة نشت في ظل تعليم الإسلام .. يا ويل من يخطي ولا يحترمها. «بناء دولة» وكانت الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين فضاءً شاسعاً تتباعد فيه المدن والقرى، وتفصل بينها الصحارى وصعوبة التنقل وتعدد الولاءات. ولم تكن استعادة الرياض في الخامس من شوال 1319هـ، الموافق 14 يناير 1902م، مجرد انتصار عسكري؛ بل كانت اللحظة التي بدأ منها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه مشروع إعادة بناء الدولة. وعلى امتداد نحو ثلاثة عقود، تحرك الملك المؤسس بين مناطق البلاد، جامعاً بين الحزم السياسي، والقدرة العسكرية، وعقد الاتفاقات، واستيعاب التنوع المحلي. ولم يكن الهدف ضم الأرض وحدها، بل إنهاء التنازع، وتأمين الطرق، وتنظيم العلاقة بين المناطق، وصناعة سلطة مركزية قادرة على حماية الناس وتسيير شؤونهم. وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 18 سبتمبر 1932م، صدر الأمر الملكي بتوحيد بلادنا وتسميتها «المملكة العربية السعودية»، وبدأ العمل به يوم الخميس 21 جمادى الأولى، الموافق 23 سبتمبر 1932م. وأعلنت المملكة دولة عربية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ولغتها العربية، وعاصمتها الرياض. وكانت تلك اللحظة بداية انتقال المجتمع من جغرافيا مترامية الأطراف إلى وطن موحد. وأصبح الأمن أول منجز يراه الناس في حياتهم اليومية؛ أمن الطريق، والحج، والتجارة، والتنقل بين المناطق. وتحولت القوافل التي كانت تتحسب لمخاطر المسافات إلى حركة أكثر انتظاماً بين المدن والأسواق. كما أولى الملك عبد العزيز - رحمه الله، الحرمين الشريفين وخدمة الحجاج اهتماماً مبكراً، لأن الحج لم يكن ملفاً دينياً فقط، بل مسؤولية سيادية وإنسانية تظهر قدرة الدولة الجديدة على التنظيم والرعاية. والتوحيد لم يلغِ تنوع المناطق، وإنما وضعه داخل هوية وطنية جامعة، وفي كيان سياسي واحد، يحمل أبناؤه اسماً واحداً وعَلَماً واحداً ومصيرًا مشتركاً. «بئر الخير» وبعد ست سنوات من إعلان التوحيد، وقعت لحظة غيرت البناء الاقتصادي للمملكة. ففي الرابع من مارس 1938م، تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7، التي عرفت لاحقاً باسم «بئر الخير». ولكن قصة البئر لم تكن قصة آلة حفر أجنبية عثرت مصادفة على النفط. فقد شارك الإنسان السعودي بمعرفته الدقيقة بالأرض في الوصول إلى الاكتشاف. ويبرز هنا السعودي خميس بن رمثان، الدليل الصحراوي الذي رافق فرق التنقيب، وساعد بخبرته في قراءة التضاريس وتحديد المسارات والتكوينات الجيولوجية. وتوثق أرامكو دوره باعتباره امتد لاحقاً إلى اكتشافات في نطاق حقل الغوار، وأن قوافل الإبل استخدمت في نقل مستلزمات الحفر عندما تعذر النقل الآلي خلال الحرب العالمية الثانية. وكان النفط مورداً جديداً، لكن القيمة الحقيقية ظهرت في الطريقة التي وظفته بها الدولة. فتحولت عائداته تدريجياً إلى طرق وموانئ ومطارات وشبكات كهرباء ومياه، وإلى أجهزة حكومية ومدارس ومستشفيات ومشروعات إسكان. وفي عهود أبناء الملك المؤسس، تتابعت مراحل البناء. وشهد عهد الملك سعود - رحمه الله، توسعاً في أجهزة الدولة والتعليم، وإنشاء مجلس الوزراء، وتأسيس وزارة المعارف عام 1953م، وكان الملك فهد أول وزير لها. وفي عهد الملك فيصل - رحمه الله، تعزز التخطيط التنموي، وتوسعت مكانة المملكة عربياً وإسلامياً ودولياً. ثم جاءت الطفرة التنموية في عهد الملك خالد - رحمه الله، واتسعت المدن والطرق والمرافق، وتأسست مشروعات صناعية كبرى نقلت المملكة من تصدير المادة الخام وحدها إلى بناء قاعدة صناعية في الجبيل وينبع. وفي عهد الملك فهد - رحمه الله، تعمقت مشروعات البنية الأساسية، واتسعت الجامعات والخدمات الصحية، وتطورت عمارة الحرمين الشريفين وشبكة الطرق والاتصالات. وفي عهد الملك عبد الله - رحمه الله، برز الاستثمار المكثف في الإنسان، وتوسع الابتعاث، وافتتحت جامعات ومدن اقتصادية وعلمية، وتعزز حضور المرأة في التعليم والعمل العام. وهكذا لم يعد النفط نهاية الحكاية، بل وسيلة لتغيير شكل الحياة. فالقرية التي كانت تعتمد على بئر ماء محدودة وصلت إليها الكهرباء والطريق والمدرسة والمركز الصحي، والمدينة الصغيرة تحولت إلى مركز إداري واقتصادي، والميناء المحلي أصبح حلقة في تجارة دولية. «الإنسان أولاً» وإذا كانت الطرق والمطارات هي الصورة الظاهرة للتنمية، فإن المدرسة كانت صورتها الأكثر عمقاً. وفي البدايات، كان التعليم النظامي محدوداً، وكانت المسافات الطويلة تحرم كثيراً من أبناء القرى والهجر من الوصول إليه. ثم بدأت الدولة توسعاً متدرجاً في المدارس والمعاهد، قبل إنشاء وزارة المعارف عام 1953م. ومع مرور السنوات، امتدت المدارس إلى المدن والمحافظات والقرى، وتوسع تعليم البنات، ثم نشأت الجامعات الحكومية في مختلف المناطق. ولم يكن التعليم مجرد خدمة، بل أداة لتكوين الدولة نفسها. فمن المدارس خرج المعلمون والأطباء والمهندسون والقضاة والعسكريون والإداريون الذين تولوا تشغيل المؤسسات وبناء الاقتصاد. وتطورت رحلة التعليم العالي من جامعة واحدة في البدايات إلى منظومة تضم جامعات حكومية وأهلية، وكليات تقنية وتخصصات صحية وهندسية وعلمية. كما أسهم الابتعاث الخارجي في تكوين أجيال نقلت المعرفة والخبرة العالمية إلى الداخل. وتعرض وزارة التعليم اليوم قائمة واسعة من الجامعات الحكومية المنتشرة في مناطق المملكة، بما يعكس انتقال التعليم الجامعي من التركز في مدن قليلة إلى الحضور الجغرافي الواسع. وسارت الصحة في مسار مماثل، وانتقلت المملكة من إمكانات علاجية محدودة إلى شبكة واسعة من المستشفيات والمدن الطبية والمراكز الصحية، مع تطور تخصصات زراعة الأعضاء والأورام والقلب والجراحات الدقيقة والطب الرقمي. ولكن قصة الإنسان لا تختزل في التعليم والصحة. لقد غيرت شبكات الطرق والمياه والكهرباء والاتصالات معنى المسافة داخل المملكة. وربطت الطرق السريعة المناطق بعضها ببعض، وحولت المطارات الداخلية والدولية المملكة إلى مساحة أكثر اتصالاً، فيما أصبحت تحلية المياه ضرورة استراتيجية لمواجهة ندرة الموارد المائية. وتوسعت المدن السعودية بدورها؛ فتحولت الرياض من مدينة محدودة العمران إلى عاصمة سياسية واقتصادية تستضيف المؤتمرات والشركات الدولية، وتوسعت جدة بوصفها بوابة بحرية وتجارية وحضرية، ونمت مدن المنطقة الشرقية حول الطاقة والصناعة، وبرزت الجبيل وينبع كنموذجين للتخطيط الصناعي المتكامل. وفي قلب هذه التحولات بقي الحرمان الشريفان عنواناً لأكبر عمليات التطوير المستمر. فقد شهدت مكة المكرمة والمدينة المنورة توسعات متتابعة، وتطورت منظومة الحج من الاعتماد على الوسائل التقليدية إلى إدارة حشود تستخدم القطارات والمنصات الرقمية والبنية الصحية والأمنية المتقدمة. «طاقة المجتمع» وفي العقود الأولى، كانت التنمية تعني أن تصل الدولة بخدماتها إلى الإنسان. أما المرحلة الجديدة، فأصبح الإنسان نفسه شريكاً في قيادة التنمية وصناعة الفرص. ومن أبرز مظاهر التحول اتساع مشاركة المرأة السعودية في التعليم والعمل والاقتصاد والقيادة والإدارة والدبلوماسية والعلوم والتقنية. ولم يعد حضورها محصوراً في قطاعات تقليدية، بل امتد إلى القضاء والأمن والطيران والهندسة والرياضة وريادة الأعمال ومجالس الإدارات. وتكشف مؤشرات سوق العمل حجم التحول؛ وتغير صورة الاقتصاد والأسرة والمجتمع. فقد دخلت كفاءات جديدة إلى سوق العمل، ونمت المشروعات الصغيرة، واتسعت ثقافة ريادة الأعمال، وأصبح الشباب أكثر حضوراً في قطاعات التقنية والسياحة والثقافة والترفيه والخدمات المالية. وفي الوقت نفسه، شهدت المملكة عودة واسعة إلى عناصر هويتها الثقافية. فالتطور لم يعد يفهم بوصفه ابتعاداً عن التراث، بل قدرة على تقديمه بلغة معاصرة. واستعادت الدرعية والعلا وجدة التاريخية والأحساء حضورها كوجهات ثقافية وسياحية، وتحولت الحرف والفنون والمطبخ والملابس والعمارة المحلية إلى عناصر من الاقتصاد الإبداعي. وأعادت السينما والمسارح والمعارض والمتاحف والمهرجانات والفعاليات الرياضية تشكيل المشهد الاجتماعي، وفتحت مجالات عمل واستثمار لم تكن موجودة بالحجم نفسه قبل سنوات قليلة. ولم يعد الترفيه نشاطاً هامشياً، بل قطاعاً اقتصادياً يرفع جودة الحياة ويستقطب الإنفاق ويخلق فرساً للمواهب الوطنية. كما أصبح التحول الرقمي جزءاً من الحياة اليومية. فمعاملات حكومية كانت تحتاج إلى أوراق ومراجعات متعددة أصبحت تنجز عبر الهاتف، وانتقلت الخدمات العدلية والصحية والتعليمية والبلدية والمالية إلى منصات إلكترونية مترابطة. وأصبحت التقنية عاملاً في رفع كفاءة الدولة، وليست مجرد واجهة حديثة. وهذه هي قصص المجتمع السعودي في مرحلته الجديدة، مجتمع لا يتخلى عن قيمه، لكنه يوسع مساحة المشاركة؛ ويحفظ العائلة والتقاليد، وفي الوقت ذاته يمنح أبناءه وبناته فرساً أكبر للتعلم والعمل والإبداع. وهو المعنى الذي تعبر عنه هوية اليوم الوطني السادس والتسعين «عزّنا بطبعنا»، إذ تربط الاعتزاز بالوطن بالصفات المتجذرة في الإنسان السعودي؛ من الجود والشجاعة والهمة والأصالة إلى المبادرة وتحمل المسؤولية. «موعدنا المستقبل» وفي 25 أبريل 2016م، أعلنت رؤية السعودية 2030م، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرة المملكة، يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بدعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وجاءت الرؤية من إدراك واضح بأن قوة المملكة النفطية يجب أن تتحول إلى قاعدة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. فقامت على ثلاثة محاور: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. ومنذ ذلك الحين، تحولت قطاعات كانت محدودة الأثر الاقتصادي إلى محركات للنمو؛ مثل السياحة والترفيه والثقافة والرياضة والخدمات اللوجستية والتقنية والتعدين والطاقة المتجددة. وأعيد تنظيم منظومة الاستثمار، وتوسع دور صندوق الاستثمارات العامة، وأطلقت مشروعات كبرى ترسم جغرافيا اقتصادية جديدة، من نيوم والبحر الأحمر والقدية والدرعية، إلى مشروعات تطوير الرياض والعلا والسودة وغيرها. ولا تقوم أهمية هذه المشروعات على حجمها الإنشائي وحده، بل على ما تستهدفه من صناعات وسلاسل إمداد ووظائف ونقل للمعرفة وجذب للاستثمار. وفي الاقتصاد، برز نمو الأنشطة غير النفطية بوصفه أحد أبرز مؤشرات التحول. ووفق التقارير السنوية لرؤية السعودية 2030م تتواصل الإصلاحات الاقتصادية في توسيع الفرص وتمكين القدرات، وسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً مدفوعاً باستمرار نمو الأنشطة غير النفطية. وفي السياحة، انتقلت المملكة من سوق يغادر منه المسافرون إلى وجهة تستقبل الزائرين من أنحاء العالم، مستندة إلى تنوع طبيعي وثقافي يمتد من سواحل البحر الأحمر والخليج العربي إلى جبال عسير، ومن واحات الأحساء إلى آثار العلا ودرعية التاريخ. وفي الرياضة، أصبحت المملكة تستضيف بطولات عالمية، وتستثمر في الأندية والمنشآت والمواهب، وتتهيأ لاستضافة كأس آسيا 2027م، ومعرض إكسبو 2030م في الرياض، وكأس العالم لكرة القدم 2034م. وهذه الاستضافات ليست أحداثاً منفصلة، بل أدوات لتطوير المدن والنقل والسياحة والخدمات وتدويل الخبرة الوطنية. وفي التقنية، تتحرك المملكة نحو اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتقنيات المالية.