وطنٌ يبني ويُعطي.. ويعرف كيف يحمي أمنه – مرفت  بخاري

سيظل وطننا رمزًا للأمن والأمان، وستبقى إنجازاته شاهدًا على أن الأوطان العظيمة لا تردّ على حملات التشكيك بالشعارات، بل بما تصنعه من حقائق يراها العالم ويشهد بها التاريخ.

ومن عظيم نعم الله علينا في المملكة العربية السعودية أن شرّفنا بخدمة بيته الحرام ومسجد نبيه، وأكرمنا برعاية الحرمين الشريفين، وجعل خدمة ضيوف الرحمن مسؤولية وطنية تتوارثها الأجيال، وتُسخّر لها الدولة إمكاناتها وطاقاتها، ليؤدي الحجاج والمعتمرون مناسكهم في أمن وطمأنينة، وسط منظومة متكاملة من الرعاية والخدمات والتسهيلات.

وكم من حاجٍّ ومعتمرٍ عاد إلى وطنه حاملًا في ذاكرته حكاية كرم، وفي قلبه أثر ترحيب، وفي وجدانه صورة وطنٍ لم يكتفِ باستقبال ضيوف الرحمن، بل بذل جهده ليكونوا في أمان وراحة حتى يُتمّوا مناسكهم ويعودوا إلى ديارهم سالمين. تلك شهادة لا تصنعها الكلمات وحدها، بل تكتبها التجارب وتحفظها ذاكرة الإنسان.

فكيف لدولةٍ هذا تاريخها، وهذا عطاؤها، وهذه رسالتها في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن، أن تُواجَه باتهامات الخيانة والتعدي على الجيران ونهب مقدراتهم؟ وبأي منطق تُختزل مسيرة وطنٍ سخّر إمكاناته لخدمة الإنسان في روايات تُلقي التهم جزافًا، وتتجاهل شواهد التاريخ والواقع؟

إن المملكة العربية السعودية، التي جعلت من خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما مسؤولية راسخة، تدرك أن أمنها واستقرارها جزء من أمن المنطقة واستقرارها، وأن العلاقات بين الدول لا تستقيم إلا باحترام السيادة، وحسن الجوار، والتعاون الذي يحفظ للشعوب حقوقها وكرامتها.

وليس من العدل أن تتحول الادعاءات إلى حقائق لمجرد تكرارها، أو أن تُدان دولة بالتهم قبل النظر في الأدلة والوقائع. فالأوطان لا تُحاكم بالشائعات، ولا تُقاس مواقفها بما يُنسج حولها من روايات، وإنما بما تثبته أفعالها، وما تشهد به مواقفها، وما تقدمه لشعوبها وللإنسانية.

أيُّ مفارقةٍ هذه التي نعيشها، حين تتعرض المملكة العربية السعودية لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وتُهدَّد منشآتها ومقدراتها، ويُعرَّض أمن مواطنيها والمقيمين على أرضها للخطر، ثم تتهمها الجهة التي تتبنى تلك الهجمات بالتعدي والعدوان؟

أليس من حق الدول أن تحمي أرضها، وتصون أمنها، وتدافع عن منشآتها ومواطنيها؟ أم أن مفهوم العدوان أصبح يُقلب رأسًا على عقب، فيُلام من يتصدى للخطر، ويُمنح من يهدد أمن الآخرين حق توزيع الاتهامات؟

إن للمملكة حقًا أصيلًا في الدفاع عن أمنها وسيادتها، وفق ما تقرره القوانين والمواثيق الدولية، وهذا الحق لا ينتقص منه تكرار الادعاءات ولا حملات التضليل. والفرق شاسع بين حماية الوطن من التهديدات وبين محاولة تصوير حق الدفاع عن النفس على أنه اعتداء.

لسنا أمام خلاف في الروايات فحسب، بل أمام سؤال ينبغي أن يواجهه كل منصف، من الذي يهدد أمن الآخرين، ومن الذي يسعى إلى حماية أمنه؟ فالحقيقة لا تتغير بتبديل الأوصاف، ولا تتحول الاتهامات إلى أدلة لمجرد أن أصحابها يكررونها.

ولم يكن يومًا من نهج المملكة العربية السعودية أن تجعل من إعاقة الآخرين سبيلًا إلى تقدمها، أو أن تعادي نجاحاتهم، بل رسمت لنفسها مسارًا مشرقًا، قوامه التنمية، وعتاده التميز، وغايته بناء وطن يليق بطموحات أبنائه ومكانته بين الأمم.

وكما أقرت للآخرين بحقهم في صناعة نهضتهم وتحقيق تطلعاتهم، مضت في طريقها بثقة، تستثمر قدراتها وثرواتها، وتترجم رؤيتها الطموحة إلى منجزات يلمس أثرها الإنسان. لم تسعَ إلى أن تتقدم على حساب أحد، بل أرادت أن تتقدم بإمكاناتها، وتصنع مستقبلها بإرادتها، وتثبت أن الطموح حين تسنده الرؤية والعمل يصبح واقعًا لا مجرد أمنيات.

لكنها، وهي تمضي في مشروعها التنموي، لم تكن تتوقع أن يتحول نجاحها إلى مادة للضغينة، وأن تُواجَه طموحاتها بحملات التشكيك والاتهام، وكأن من حق الآخرين أن يرسموا لها حدود ما تطمح إليه، أو أن يعترضوا على ما تحققه من تقدم. والحقيقة أن نجاح المملكة ليس انتقاصًا من أحد، ونهضتها ليست خصمًا من رصيد الآخرين، وثرواتها وقدراتها ليست ذنبًا يستوجب الاعتذار، بل هي إمكانات وطن من حقه أن يحسن استثمارها، ويبني بها مستقبله، ويحقق بها تطلعات شعبه.

ويكفيني يقينًا أن أجد ضالتي كلما اشتد التوتر، في قول الله تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}، وفي دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}. يقين بالله، وطمأنينة بوطن نحبه، ودعاء لا ينقطع بأن يديم الله على بلادنا نعمة الأمن والأمان، وأن يحفظها من كل سوء.

وتزداد هذه الطمأنينة رسوخًا بما نلمسه من تماسك العلاقة بين الشعب وولاة أمره، وهي علاقة تقوم على الوعي والإدراك، والحب الصادق، والولاء والانتماء. علاقة لا تختزلها الشعارات، بل تعبّر عنها المواقف، وتتجلى فيها وحدة الصف والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن ومكتسباته.

ونحن نثق بنهج قيادتنا، ونعتز بما تنتهجه من سياسات تسعى إلى حماية أمن الوطن، وصون استقراره، وتحقيق تطلعات أبنائه، مسترشدين بكتاب الله وسنة نبيه، ومتمسكين بمبدأ الشورى الذي قال الله تعالى فيه: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.

ونستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، لنؤكد أن قوة الأوطان لا تقوم على مؤسساتها وحدها، بل على تماسك مجتمعاتها وتكاتف أبنائها، والتفافهم حول ما يحفظ أمنهم واستقرارهم. ونحن، ولله الحمد، نعتز بوحدة صفنا، ونؤمن بأن تماسكنا مسؤولية مشتركة، وأن الحفاظ على الوطن ومكتسباته واجب لا تنفصل عنه المحبة والولاء والانتماء.

أما أنتم، يا من تتباهون عبر منصاتكم باستهداف المطارات وتخريب المنشآت، وتحوّلون دماء الأبرياء إلى مادة للتفاخر والشماتة، فاعلموا أن الأوطان لا تُرهبها التهديدات، ولا تُسقط هيبتها الصواريخ، ولا تُغيّر حقيقتها حملات التضليل.

إن المملكة العربية السعودية التي تدافع عن أرضها وأمن مواطنيها ومقدراتها، هي ذاتها التي قدّمت، ولا تزال تقدم، المساعدات الإنسانية والإغاثية للشعب اليمني الشقيق، وتسهم في دعم مشروعات التنمية والتخفيف من معاناته. وهي تدرك أن الشعب اليمني ليس عدوًا لها، وأن الخلاف مع من يهدد أمنها لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع شعب تجمعه به أواصر الجوار والتاريخ.

ومن يفرح بدماء الأبرياء، أيًّا كانت جنسياتهم، لا ينتصر لقضية، بل يكشف عن غياب المعنى الإنساني عن خطابه. فالمطارات وُجدت لخدمة الناس، لا لترويعهم، والأوطان تُبنى بحفظ الأرواح، لا بالتباهي بخراب المنشآت وترويع الآمنين.

وسيظل وطننا، بإذن الله، رمزًا للأمن والأمان، متمسكًا بحقه في الدفاع عن سيادته، ماضيًا في تنميته، وفيًّا لمسؤوليته تجاه الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، ولن تثنيه حملات التشكيك عن مواصلة مسيرته.

أما أنتم، فموتوا بغيظكم، فالمملكة لا تقيس مكانتها بما تقولونه عنها، بل بما تبنيه على أرضها، وما تقدمه للإنسان، وما تصونه من أمن واستقرار. وسيبقى انتماؤنا لهذا الوطن عهدًا لا يتبدل، وولاؤنا له موقفًا لا تهزه الأكاذيب، ودعاؤنا أن يحفظ الله بلادنا وقيادتها وشعبها من كل سوء، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان.