الحديث عن الوطن يطول، لأنه شبيه تنقّل في عوالم ذاتك.. مكانًا وزمانًا وذكريات ومعطيات، ألا يقال عن الوطن (جسد الذكرى)، وإلى درجة أن ضُرب مثلاً (الأرض كالعرض)، وجزمًا لا يفرّط في الأخيرة من لديه ذرّة عقلٍ وكذا انسحب الأمر على الأرض التي توجز (إن العدو أحمق، والعميل أحمق منه)!، والجملة الأخيرة ماءها/.. فيما أجاب به.. أحد أعمدة الاحتلال عن أرذل من لقيتم؟، قال (.. من ساعدنا على العبث -لا استعمار- في بلده)، وهنا حضرني سبب وضع «النفي» كعقوبة..، والتي أشار لها القرآن {.. أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}، فبعض من نُظم الاحتلال وجدته حلا ناجعا مع الوجهاء بخاصة.. الذين يقفون صادعين بأرائهم.. أو عقبة أمام مشاريعه، والصحيح حيله!.
هذا ولكل زمن أدوات.. من وُجوه مستجدّة، وبيوم محدثكم (تلقف) فسجّل في دورة بأحد البلاد لمدة 8 أسابيع لإحياء رآمس اللغة والتي يكثر تفلّتها كلما قلّ استخدامها، عدا أن للنسيان ولن أقول للعمر.. حظا أيضاً، فما أن أنتصفت المدة إلا وتسرّبات الشوق للوطن تتغاشّى وهي تحمل داخلي حملاً ثقيلاً من اللهفة، ما كدت أقطع الدورة لكني تحاااملت، وبذات الوقت استحضرت الخجل أمام من يمضون الشهور فضلاً عن السنين.. مع تسائل بداخلي: كيفهم على حرد أشواقهم قادرون!؟، هنا دع من يُنظّر لك عن (الأنفة).
لإن التجربة هي المحك لدعواه، وإلا فكم ممن لبس زيّا لا يلائمه.
في الطريق.. لهذا الحب الممزوج بماء الحياة، نلفى مدرستين الأولى، تقدّم (التحمّل)، وقعا على حوافى/
وأخرى تؤثر الأنفة، وتجعل من الكرمة (فيصلا):
وبرغم أن الأخيرة لها سند.. قول سيدنا الفاروق رضي الله عنه (يعجبني من الرجل إذا سيم خطه ضيم قال: لا)! وعنترة زاد/ لا تسقني ماء الحياة بذلة..
لكن كفّة الأولى ترجح، وتعالوا لـ(نبسط) هذا، لا.. نفلسفه، ففي الحالة هذه.. هي مقاربة لمقام الوالدين اللذين لو أحدهما صبّ عليك جام غضبه.. حتى (وإن كان معتديا على حقك) كما في طرف حديث (أنت ومالك لأبيك)، أي أن الأولى أن تصبر، بل وتتغاضى، وحتى إن استبقت فبدأ منك شيء.. لحظة ردة فعل إلا.. وعدت سريعا مستسمحا، مسلما أن لا ملاذ لك عن هذا، ففي أمور لا تجد (زر) الخيار متاحاً، حتى مهما صانعة لك أنفتك من حجج!، فحديث (رغم أنف امرء ادرك أحد والديه ولم يدخلاه الجنة) يطوّح.. أو بالأصح يجنح بالكرامة بعيدا مقابل نيل ذلك الأكبر.. الذي تجده –أي هذا الأكبر- أن الله أمر الدّعاة لدينه.. ولجلال الغرض، وقد فرض على الأنبياء وفي مقدمتهم محمد رسولنا {.. فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} أي التسلّح بالصبر، لإنهم إلا وسوف يواجهون..!، ورفداً لكل من عمل في ميدان الدعوة -لدينه-، وأن (الصبر) هو الأولى بهم، لتحقيق الأهداف الكبرى، والأغراض النفيسة، قال أبو تماما:
ما يدل على أن هناك ما ليس من خيار فيه، وإلا لو كل تبرّم من أي ألم يلمّ به، لأمسى الناس حبيسيّ المراكز الصحية!
بل فوق هذا كيف يحدث التمايز؟!ِ، ولنتدبر {لِيَبْلُوَكُمْ} وختم بـ ِ{هل تصبرون}.
أمّا عن كلمة الفاروق فالجواب عليها من كلمته هو -رضي الله عنه- الأخرى (حق على كل مسلم أن يُقبّل رأس ابن حذافة)، وذلك يوم أُسر فقدّم لقائد الروم،.. إلى أن قال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلي عنك، هنا قال عبدالله بن حذافة (.. وجميع الأساري)، قال نعم، فقبّل رأسه.
ما يعني -هنا- أن المصلحة الجماعية تفوق حظ.. بل حق النفس، فكيف بحق الوطن على أفراده!
.. أيضاً أن هناك ما لا يدخل في الحسابات، بل يلزم وضعه في أولى درجات الحسبان.
ولم تقال عبثا هذه (ثلاث لا يعلو المرء عليها مهما بلغ) وأحدهم أحد (الوالدين..)، وتصوّر لو أتاك من يشكي -لك- أحد والديه!، وخذ ما هو أقل/
فهذا أحد القضاة يوم رفع زوج البنت إليه عريضة شكوى بحق وآلد زوجته، وكان يشتمه، قاطعه القاضي بـ(إن كان وآلد زوجتك يستحق -أي أهلٌ لما قلت فيه-.. فهو يستحقها، لأنه ابتداء أساء حين اختارك لها بعلا)..!
وبعض الكتّاب يضطرّه الإخبار عن مقدمتين لطرح ما بين يديه، إن عزّ عليه ايثار احداها على صاحبتها، أو لم تترشّح ليه من هي أولاهما، ولا عجب.. لإن بنات الأفكار مما يصعب وأد أحداها!، لكني هنا أُخبر عن «مقدمات..»:
1) إن آخر شيء ممكن تسبب له -حين تبدي عنه- مدح شيء بما هو فيه، أي (طبع)، فلا يسأل الربيع عن بديعه ِأو الورد عن عطره، أو البلبل إذا ما عزف تغريده.. إلا من به خطل، بل من سيُقدم -يجرءُ- ليسرد لك عن فوائد الماء؟، وذلك أن من الإقدام على بسط البدهيات.
2) سبحان الله.. اليوم «أدوات التواصل» تأتيك بلقطات من شرق الأرض ومغربا.. ما جعلت حتى من لم يغادر دياره كأنه جال بتلك البلاد طولا وعرضا، ليطلع على لقطات للطبيعة يخالّ تخيلاته تموج به خلفها، هذا.. واجزم أن الكثيرين ذهب لمناطق تحوي من تلكم ما ينطبق عليها ثلثي جالبات السعادة (الخضرة والماء..)، والعجيب أن كل ذلك يغريك إليه من أوّل وهلة، والمثل القائل (اللمحة ذبحة) قائم في ذهنك، ثم.. ما هي إلا قلائل أيام تعيد القلب لمنبته الأوّل ولا غرو، فـ..
ولا نبعد، فمما لا أنساه لأحد الأصحاب وكنا بالغربة للدراسة، وقد أوشك على العودة للوطن، فقلت له مباسما: تكفى (مرّ) على العليا.. ولوّح بالنيابة عني؟، فقال: اسمح لي..!، لأني من أول ما أصل.. سأقول للسائق (حنانيك أن لا تقف بي إلا في ربوع بريدة)، ثم أباح (ففيني من الشوق ما يعتصرني من أشهرٍ لكل جنباتها)..
فالله لا ألومه، فتلكم ما لا يعوّضها داخلك كل المشاهد التي تغري عينيك.
.. و(يا زين أمّي وضربة عصاها)، فكم بالأم/ الوطن مما امتشج داخلك عدا ذكرى لا تستطيع عنه -مهما حاولت- انفكاكا، فـ.. التعلّق بالمكان فطريّ، والجملة الأخيرة لها تعليلات، تتفوقّ.
عليهنّ كجلاء (ولِله في هذه حكمٌ)، لأقول:
لعل ظواهر ما يلوح لنا كي لا يزهد الناس في المناطق التي لا تجتذب السُكني إليها، لإنها صحراء جردءا، ومن معطيات المعاش بالغالب خاويه، وخذوا رفدا.. نظم (ميسون):
3) مما كان في السابق وقد تقدّم إشارة لنوع من العقوبة (النفي)، والتي ليست سهلة، ودعوكم من أهل الدعاوي! فـ (.. من جرّب الكي لا ينسى مواجعه).
.. بل أسال من تغرّب طويلا عن مضّها بالفؤاد يخبرك عمّ كان في خوالجه..
بل حسب هذه وقعا آية {أو ينفو من الأرض}، أي الأرض التي اعتمر وجداً لها داخلهم، حتى أمسى حبها سارباً في العروق، وهذا محمود البارودي -رحمه الله- بعد عودته من المنفى.. نادى مصر بلاده ومرعى دنياه ومكمن صباه (مصر) بـ:
وكم ممن طال عهداً عن وطنه سواء للدراسة أو -لا سمح الله- للعلاج، فإذا كل مشاعره ترحل -به- شبه يومي من مكانه إلى ديادره (فلا يَبقى هناك منه عدا جسده)!..
4) الوطن –يا أحباب- ليس أرضا ولا تراب، بل هو المهد الذي ترعرع أحدنا فيه/
لماذا..؟، لإن الطفولة بخاصة كان.. لها بين جنباته/
كما يحاكي داخلنا جمال عهد قلما يعود مثله، تحديدا يوم تفتحت عيوننا في ذاك الكنن، لنعلق من يومها جمّ ذكريات حُفرت فينا ونحن صغار على ترسّلٍ، وهل انشاء المثل (العلم في الصغر كالنقش على الحجر..) ألخ، إلا اشتقاقا محاكيا..
وهنا تكاد تشاطر المتنبي ما اجتلب من بقايا أثار من كانت للأباء محضن والأجداد من قِبلهم بها مسكن، فما وجد نفسه إلا ونشيج داخله حيالها مُرددا..