وطنٌ له في الثوابت جذور – فائز بن سلمان  الحمدي

ليست الدولُ بما امتدَّ من رقعتها، ولكن بما امتدَّ في ضمائر أهلها من معناها؛ ولا تُصان الأوطان بكثرة ما ينتصب على ثراها من البنيان، حتى ينتصب في نفوس أبنائها بنيانٌ آخر من اليقين والوفاء؛ فللحجارة قوةٌ تحمل السقوف، وللمبادئ قوةٌ تحمل الأمم. وما من أمةٍ فقهت سرَّ بقائها إلا ردَّت أمرها إلى أصولٍ راسخة، لا تعبث بها صروف الأيام ولا تستفزها عوارض الأحوال؛ فقد تتبدل الوسائل، وتتجدد الصنائع، وتتلاحق أطوار الحضارة، غير أن الأمة التي تستبدل أصولها كلما استجدَّت أحوالها ليست أمةً تتجدد، وإنما هي شجرةٌ تقتلع جذورها كلما هبَّت الريح، ثم تسأل الأرضَ لِمَ لا تثبت فيها؟.

وهذه المملكة العربية السعودية لم ينعقد معناها الكبير على عارضٍ من عوارض السياسة، ولا على شعارٍ أنشأته ساعة ثم طوته ساعة؛ وإنما قامت على أصلٍ أبقى من السياسة لأنه يهديها، وأرفع من المصلحة العارضة لأنه يزنها ويضبطها: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتوحيد والعدل، وائتلاف الكلمة ووحدة الصف.

وهنا بعض سرِّ الدول الراسخة: أن تُحسن التمييز بين ما يتغير لتبقى، وما إن غيّرته لم تبقَ هي. فليزدهر العمران، ولتترقَّ الصناعة، ولتتسع آفاق المعرفة، ولتأخذ البلاد من عصرها بأوفر نصيب؛ فإن المستقبل لا يهب خزائنه للمترددين، والحضارة لا تنتظر من يتخلف عن ركبها. ولكن يبقى للأمة قلبٌ لا تستبدله، وقِبلةٌ معنوية لا تحيد عنها، وأصلٌ إن انقطعت عنه كثرت مقتنياتها وقلَّ معناها، واتسعت دنياها وضاقت حقيقتها.

وما التوحيد في تاريخ هذه البلاد لفظًا يتصدر القول ثم ينقضي بانقضائه، ولكنه أصلٌ أنشأ في الضمائر معنى الاجتماع قبل أن تنشأ على الأرض صورة الدولة؛ فمن وحَّد الله حقًّا لم يجعل العصبيات المتنازعة أربابًا صغارًا تتقاسم ولاءه، ومن عرف للشرع ميزانه لم يُقِم إلى جواره ميزان الهوى، فيقبل من الحق ما وافقه ويرد منه ما خالفه. ثم يجيء العدل كأنه الأثر الأرضي لذلك التوحيد؛ إذ لا تستقيم كلمةٌ يُتعبَّد لله بها في السماء، ثم يُراد لها أن تثمر في الأرض، إلا إذا سقاها العدل. فالعدل أمنٌ قبل أن يكون حكمًا، وسكينةٌ قبل أن يكون نظامًا؛ وهو أن يستقر في وجدان الإنسان أن للحق سلطانًا لا يطاوله سلطان الهوى، وأن الميزان لا يخفض كفةً لبعيد، ولا يرفع أخرى لقريب.

ولذلك تُصاب الأمم في موازينها قبل أن تُصاب في حدودها، وتنكسر في معانيها قبل أن تنكسر في ميادينها؛ فإذا اختل ميزان الحق في الضمائر، لم تُغنِ كثرة الموازين في المؤسسات.

وإن من أجلِّ نعم الله على عباده نعمة الأمن؛ وهي نعمةٌ يحتجب جلالها بفرط حضورها.

يمشي الآمن في الطريق فلا يستشعر أن خطاه نعمة، ويأوي الأب إلى أهله فلا يعدُّ هدوء الليل ثروة، ويغدو الطفل إلى مدرسته ثم يروح منها فلا يخطر ببال أحد أن وراء هذه التفاصيل الصغيرة نعمةً عظيمة؛ حتى إذا اختل الأمن انكشف للناس أن ما كانوا يسمونه حياةً عادية كان في الحقيقة ترفًا من الطمأنينة لا يُعرف قدره إلا حين يُفتقد. فالأمن ليس بابًا في بناء الحياة؛ بل هو المفتاح الذي لا تُفتح أبوابها إلا به. في ظله يزكو العلم، وتتسع التجارة، ويشمخ العمران، وتُصان العبادة، ويستقبل الناس غدهم بقلوبٍ مطمئنة. فإذا انحسر ظله بقيت للأشياء أسماؤها وذهبت حقائقها؛ فللمدرسة أبوابٌ ولا علم، وللسوق حوانيت ولا رخاء، وللبيوت جدران ولا سكينة. ولذلك قدَّم الخليل إبراهيم عليه السلام سؤال الأمن على الثمر فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}؛ فكأن الأمن هو التربة المعنوية التي لا تؤتي الحياة ثمارها إلا فيها. ثم إن للوحدة شأنًا أدقَّ وأبعد غورًا. فالأوطان لا تمزقها المسافات بقدر ما تمزقها المسافات التي تنشأ في الضمائر.

وقد تصل الطرق بين المدن، وتجمع الجدران بين البيوت، وتتجاور الأجساد في المكان؛ وبين القلوب من التخوم ما لا تطويه طريق، ومن الفواصل ما لا تجسره مسافة.

ومن هنا كان التنازع فاتحة الوهن؛ يبدأ خاطرًا، ثم يستحيل شعورًا، ثم يتخذ له لسانًا، ثم تصنع اللغة من الناس معسكراتٍ نفسية متقابلة: «نحن» و«هم»؛ حتى يغدو الأخ غريبًا عن أخيه، لا لأن بينهما أرضًا تفصل، ولكن لأن بينهما عصبيةً تحجب. ولقد أوجز القرآن سُنَّة ذهاب القوة في كلماتٍ معدودات، كأن التاريخ كله شرحٌ لها: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.

تنازعٌ، ففشلٌ، فذهاب ريح. تولد الهزيمة خاطرًا في الصدور قبل أن تصبح واقعًا في الميادين؛ فما تنكسر الجماعات حين يفوقها خصومها عددًا فحسب، ولكن قد يبدأ انكسارها يوم يفترق ميزانها، وتتوزع إرادتها، ويصبح لكل فريق منها وطنٌ صغير داخل الوطن الكبير.

ومن أجل ذلك ليست وحدة المرجعية شأنًا إجرائيًا مجردًا، وإنما هي من نواميس انتظام الجماعة؛ فالسفينة لا تبلغ مرفأها إذا استقل كل راكب فيها بدفَّة، والمجتمع لا يستقيم إذا نشأت في جوفه ولاءاتٌ تنازع ولاءه العام، أو موازين خفية تُقاس بها منزلة المرء بمقدار دنوه من جماعة أو نأيه عنها. إن أخطر الحدود ليست دائمًا تلك التي تخطها الخرائط؛ فثمة حدودٌ تُخط في الصدور. وما يكون اليوم خيطًا واهيًا بين «نحن» و«هم»، قد يستحيل غدًا سورًا كثيفًا لا يبصر المرء من ورائه أخاه.

وقد عرفت هذه الجزيرة في تاريخها معنى التفرق، وذاقت كيف تستطيع الجغرافيا الواحدة أن تضم جماعاتٍ متباعدة المصائر؛ حتى قيّض الله لها من أسباب الاجتماع ما انتقلت به من شتات المواضع إلى وحدة الوطن، ومن تنافر الإرادات إلى اجتماع المصير.

ومن هنا لم يكن توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- مجرد وصل أرضٍ بأرض، وإنما كان تحولًا في معنى الحياة نفسها: من الفرقة إلى الاجتماع، ومن تعدد القوى إلى سلطان الدولة، ومن وحشة الطريق إلى هيبة النظام، ومن شتات المصائر إلى وحدة المصير.

وما أسرع ما تستتر النعمة عمن نشأ في أكنافها!

فالجيل الذي لم يعرف إلا الطريق الآمن قد يحسب الأمن طبيعةً في الطرق، والذي لم يرَ إلا وطنًا مجتمع الأطراف قد يظن الوحدة خاصيةً من خصائص الجغرافيا؛ والتاريخ يشهد أن الأرض الواحدة قد تحمل فوقها ألف فرقة إذا لم تحمل القلوب معنى الاجتماع.

ومن تمام الوفاء للنعمة أن نعرف سيرتها؛ فما أضرَّ بالنعم من أجيالٍ ترث ثمراتها ولا تعرف أثمانها. ولهذه البلاد خصوصيةٌ يتجاوز بها أثرُ أمنها تخومَها؛ ففيها الحرمان الشريفان، وإليها تهوي أفئدة المسلمين من وراء البحار والقفار، وفيها يرى العالم في كل عام مشهدًا من أجلِّ مشاهد الوحدة الإنسانية: ألسنةٌ شتى، وألوانٌ شتى، وأوطانٌ شتى، ثم نداءٌ واحد، وقِبلةٌ واحدة، وربٌّ واحد. فإذا حفظ الله لهذه البلاد أمنها، امتدَّ ظلُّ هذا الأمن إلى حاجٍّ قطع أقطار الأرض لا يريد إلا أن يعبد ربه آمنًا، ومعتمرٍ حمل شوق السنين حتى اكتحلت عيناه بالكعبة، وزائرٍ أتى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلبه إليها أسبق من خطاه. وهنا يغدو أمن الوطن أرحب من حدود الوطن في أثره. وليس حب الوطن قصيدةً تجري على اللسان، وإن كان الشعر بعض جماله؛ ولا رايةً تخفق في الفضاء، وإن كانت الراية بعض رمزه؛ ولا جذوة حماسةٍ توقدها المناسبات ثم تخبو بانقضائها.

حب الوطن، حين ينضج معناه، خُلُقٌ ومسؤولية.