وطنٌ تتوارثه الأجيال حبًّا ومسؤولية – نواف بن عبد العزيز  آل الشيخ

في حياة الشعوب أيام تمرّ، وأيام تبقى في الذاكرة، لأنها تختصر حكاية وطن بأكمله.

واليوم الوطني السعودي ليس مجرد ذكرى لتوحيد هذه البلاد الطاهرة، بل مناسبة نستعيد فيها قصة وطن بدأ من الإيمان والعزيمة، ومضى بفضل الله من التأسيس إلى البناء، ومن البناء إلى الطموح، حتى أصبح حاضراً نفخر به ومستقبلاً نتطلع إليه بثقة.

في اليوم الوطني، لا نحتفل بيوم عابر، بل نستعيد حكاية وطن بدأ من حلم كبير، ثم أصبح -بفضل الله- واقعًا يزداد رسوخًا عامًا بعد عام.

وحين نتأمل رحلة المملكة، ندرك أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما كان حصيلة سنوات طويلة من البناء والعمل والتضحيات، حتى أصبحت هذه البلاد -بفضل الله- وطنًا آمنًا مستقرًا، ينظر إلى مستقبله بثقة، ويتمسك في الوقت ذاته بجذوره وقيمه وهويته.

ولعل من أعظم نعم الله علينا في هذه البلاد، بعد نعمة الدين والأمن، أن تعاقبت على مسؤولية قيادتها منذ توحيدها أجيال حملت أمانة الدولة، وواصلت مسيرة بنائها وتطوير مؤسساتها وخدمة أبنائها.

بدأت الحكاية مع المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- ذلك الرجل الذي جمع الله على يديه شتات هذه الأرض، ووحّد أرجاءها، وأرسى قواعد الدولة الحديثة، لتبدأ من بعده رحلة طويلة من البناء والنماء.

ثم حمل الراية من بعده أبناؤه البررة الملوك: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله -رحمهم الله جميعًا- وتعاقبت في عهودهم مراحل متتابعة من بناء مؤسسات الدولة، واتساع التعليم والخدمات الصحية، وتطوير المدن والبنية الأساسية، وخدمة الحرمين الشريفين، وتعزيز حضور المملكة ومكانتها.

لم يكن كل جيل يبدأ من الصفر، بل كان يبني على ما صنعه من سبقه، ويضيف لبنة جديدة إلى هذا البناء الكبير.

حتى وصلنا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه - وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- حيث تمضي المملكة في مرحلة واسعة من التحول والتنمية ضمن رؤية السعودية 2030، التي تقوم على محاور المجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر والوطن الطموح.

والمتأمل في وطننا اليوم يرى حجم التحولات التي امتدت إلى مجالات عديدة؛ في الاقتصاد والاستثمار، وجودة الحياة، والثقافة والسياحة، والتقنية، وتمكين الطاقات الوطنية، وتطوير المدن، والمشروعات الكبرى، وغيرها من مجالات التنمية.

ومع كل منجز جديد، ندرك أن الأوطان العظيمة لا تُبنى في يوم، وإنما تتراكم منجزاتها جيلًا بعد جيل، ويكمل اللاحق فيها ما بدأه السابق.

وهنا، لا نملك إلا أن ندعو لمن رحل من ملوك هذه البلاد، وأن نقول:

«اللهم ارحم الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وأبناءه الملوك سعودًا وفيصلا وخالدًا وفهدًا وعبدالله، وأجزهم عن وطنهم وشعبهم خير الجزاء، واجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم.

واحفظ اللهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأمدهما بعونك وتوفيقك، ووفقهما لكل ما فيه خير البلاد والعباد، واحفظ وطننا من كل سوء، وأدم عليه نعمة الأمن والاستقرار والرخاء».

ولعل أجمل ما في اليوم الوطني أنه يعيدنا للحظة إلى البدايات، إلى آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا مراحل مختلفة من عمر هذا الوطن، وعرفوا جيدًا مقدار التحول الذي حدث في حياتهم وحياة أبنائهم وأحفادهم،

من طرق بسيطة إلى مدن حديثة، ومن إمكانات محدودة إلى فرص واسعة، ومن أحلام كانت تبدو بعيدة إلى واقع نراه اليوم أمام أعيننا.

لكن الوطن لا يُقاس فقط بما شُيّد فيه من طرق ومبانٍ ومشروعات، ولا بما تحقق فيه من أرقام ومؤشرات!

هو الطفل الذي يبدأ صباحه مطمئنًا في مدرسته، والشاب الذي يحمل حلمًا كبيرًا لمستقبله، والأب الذي يعمل من أجل أسرته، والأم التي تزرع في أبنائها حب هذه الأرض، والطبيب الذي يسهر على مريضه، والمعلم الذي يبني جيلًا، والمهندس الذي يعمر ويخطط، والجندي الذي يقف في موقعه حارسًا لأمن بلاده، وكل إنسان يضع لبنة صغيرة في بناء هذا الوطن.

ولذلك فإن الاحتفاء باليوم الوطني لا يجب أن يكون مجرد أعلام تُرفع، أو عبارات تُكتب، أو صور لاستعراضها في وسائل التواصل الاجتماعي ثم تنتهي المناسبة!

حب الوطن الحقيقي يظهر في العمل، في الإخلاص، في المحافظة على مقدراته، في احترام أنظمته، في بنائه وتطويره، وفي أن يؤدي كل منا مسؤوليته بأمانة، وأن يسأل نفسه من حين إلى آخر:

ماذا قدمت لهذا الوطن الذي قدم لي الكثير؟

فالانتماء ليس كلمات نقولها، بقدر ما هو سلوك نمارسه كل يوم.

وحين قال الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} حيث كان الأمن أول الدعاء.

ونحن حين ننظر إلى نعمة الأمن والاستقرار التي نعيشها، ندرك أن هناك نعمًا قد يعتادها الإنسان حتى ينسى عظيم قيمتها.

أن تخرج من بيتك مطمئنًا، وأن يعود أبناؤك إليك آمنين، وأن تعيش حياتك في وطن يحتضنك، وتحمل في داخلك الأمل بمستقبل أبنائك؛ كل ذلك من نعم الله التي تستحق الحمد والشكر قبل كل شيء.

واليوم، ونحن نرى طموحات أبناء وبنات المملكة تكبر، ونشاهد حضورهم في ميادين العلم والعمل والابتكار والثقافة والرياضة وغيرها، فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لهم هو أن نبقي في داخلهم ذلك الخيط المتصل بين المستقبل والجذور.

أن نحدثهم عن تاريخ وطنهم، عن الرجال الذين بنوه، عن الصعوبات التي تجاوزها.

وأن نقول لهم: إن ما يرونه اليوم من فرص لم يبدأ اليوم، بل هو امتداد لمسيرة طويلة، ومسؤولية ستنتقل إليهم ليكملوها من بعدنا.

فالوطن لا يُورث لنا لنسكنه فقط، بل يُسلّم إلينا أمانة، ثم نسلّمه لمن بعدنا أجمل وأقوى.

وإذا كان لكل إنسان في حياته مكان يعود إليه حين تضيق به الدنيا، فإن الوطن هو ذلك المكان الكبير الذي لا يمكن أن يعوضه مكان آخر.

قد نسافر بعيدًا، ونرى أجمل مدن العالم، ونقيم في أرقى فنادقها، ونستمتع بتفاصيلها، لكن هناك شعورًا لا يعرفه إلا من ابتعد عن وطنه طويلًا؛ تلك اللحظة التي يسمع فيها اسم بلاده، أو يرى علمها، أو تهبط طائرته على أرضها.

حينها يدرك أن بعض الأماكن تسكنها الجساد، بينما هناك مكان واحد يسكن القلب.

وفي اليوم الوطني السعودي، يبقى أجمل ما يمكن أن نقوله:الحمد لله على وطن جمعنا، وأظلنا بأمنه، ومنحنا من خيره الكثير.

والحمد لله على هذه الأرض الطاهرة، وعلى ما أنعم الله به عليها من أمن واستقرار ووحدة، وعلى رجالٍ تعاقبوا على خدمتها وحمل أمانتها جيلًا بعد جيل.

ونسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها وازدهارها، وأن يحفظ أبناءها وبناتها، وأن يجعل أيامها القادمة أكثر خيرًا ونماءً، وأن تبقى شامخة عزيزة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

في حياة الشعوب أيام تمرّ، وأيام تبقى في الذاكرة، لأنها تختصر حكاية وطن بأكمله.

واليوم الوطني السعودي ليس مجرد ذكرى لتوحيد هذه البلاد الطاهرة، بل مناسبة نستعيد فيها قصة وطن بدأ من الإيمان والعزيمة، ومضى بفضل الله من التأسيس إلى البناء، ومن البناء إلى الطموح، حتى أصبح حاضراً نفخر به ومستقبلاً نتطلع إليه بثقة.

في اليوم الوطني، لا نحتفل بيوم عابر، بل نستعيد حكاية وطن بدأ من حلم كبير، ثم أصبح -بفضل الله- واقعًا يزداد رسوخًا عامًا بعد عام.