ماذا لو تحوّلت الخلافات التجارية بين واشنطن وأوروبا إلى نقطة انطلاق لاتفاق اقتصادي يعيد ترتيب التحالف الغربي عبر «صفقة كبرى»؟ هذه هي الفكرة التي طرحها جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ«جيه بي مورغان»، داعياً الولايات المتحدة إلى تقديم حافز اقتصادي كبير لأوروبا مقابل تنفيذ إصلاحات طال انتظارها في أسواق المال والقطاعات المصرفية والدفاع والطاقة.وفي مقال رأي نشرته «وول ستريت جورنال»، اقترح ديمون إبرام اتفاق تجارة حرة شامل مع أوروبا، على أن يكون جزءاً من مقاربة أوسع لتعزيز النمو والقدرة التنافسية والمرونة الاستراتيجية لدى الحلفاء الغربيين.«صفقة واحدة ضخمة»في قلب مقترح ديمون فكرة واضحة: تقديم اتفاق تجارة حرة واسع لأوروبا مقابل تنفيذ إصلاحات اقتصادية ودفاعية جوهرية.ويرى ديمون أن الولايات المتحدة يمكن أن تعرض على أوروبا هذا الاتفاق إذا التزمت بإصلاحات مستوحاة من توصيات تقرير ماريو دراغي، بما في ذلك استكمال اتحاد أسواق رأس المال والاتحاد المصرفي، بما يسمح لرأس المال بالتحرك بحرية أكبر داخل القارة ويمنح الشركات الأوروبية قدرة أكبر على التوسع والمنافسة.ولا يقتصر التصور على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ اقترح ديمون إمكانية توسيع الإطار ليشمل أستراليا واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية ودولاً أخرى، بما يوسع شبكة التجارة بين الاقتصادات والحلفاء الغربيين والآسيويين.اتحاد اقتصادييرى ديمون أن المشكلة الأساسية في أوروبا لا تتعلق بنقص الموارد، بل بتجزؤ السوق وعدم استكمال مشروع التكامل الاقتصادي.ويشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يضم شركات عالمية ومدخرات ضخمة وقوة عاملة مؤهلة، لكنه لم يستكمل اتحاد أسواق رأس المال والاتحاد المصرفي، ما يحد من قدرة الشركات على التوسع ويضعف تدفق رأس المال عبر الحدود.ويستند ديمون إلى تقديرات واردة في تقرير ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، تفيد بأن الحواجز الداخلية في السوق الأوروبية تعمل عملياً مثل رسوم جمركية تصل إلى نحو 45%على قطاع التصنيع و110% على الخدمات، وفق ما أورده في رسالته.كما يشير ديمون إلى أن الاقتصاد الأوروبي كان يعادل نحو 90% من حجم الاقتصاد الأمريكي عام 2000، لكنه أصبح اليوم يعادل نحو 70% فقط، معتبراً أن هذا التراجع يعكس، من بين عوامل أخرى، كلفة استمرار تجزؤ السوق الأوروبية وضعف التكامل الاقتصادي.سوق عبر الأطلسي بتريليونات الدولاراتويستند مقترح ديمون إلى حجم العلاقات الاقتصادية القائمة بالفعل بين الجانبين. فبحسبه، تبلغ التجارة بين الولايات المتحدة وأوروبا نحو تريليوني دولار سنوياً، بينما وصلت قيمة العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي إلى 9.8 تريليون دولار في 2025.ويرى أن بناء سوق تجارية أكثر انفتاحاً بين الحلفاء يمكن أن يمنح الولايات المتحدة وأوروبا وزناً أكبر في وضع قواعد التجارة العالمية، ويعزز الروابط الاقتصادية في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.محاولة سابقة لم تكتمللا تمثل فكرة ديمون سابقة بالكامل؛ إذ سبق للولايات المتحدة وأوروبا أن ناقشتا مشروع الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي «تي-تي آي بي» قبل نحو عقد.لكن ديمون يرى أن أي اتفاق جديد سيحتاج إلى معالجة ملفات معقدة، من بينها الضرائب والقواعد التنظيمية المتعلقة بالخدمات الرقمية، ومتطلبات الإفصاح المناخي، إلى جانب قضية الزراعة التي يصفها بأنها من أصعب الملفات التفاوضية.ومع ذلك، يرى أن هذه الخلافات قابلة للحل إذا توافرت الإرادة السياسية، وأن المكاسب المحتملة من اتفاق واسع ستكون كبيرة.إعادة بناء التحالف الغربييضع ديمون مقترحه في إطار أوسع من التجارة والاستثمار، معتبراً أن الولايات المتحدة وأوروبا تملكان مصالح وقيماً مشتركة تراكمت على مدى أكثر من 75 عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.ومن وجهة نظره، فإن تعزيز أوروبا اقتصادياً وعسكرياً يصب أيضاً في مصلحة الولايات المتحدة، فيما يمكن لعلاقات تجارية واستثمارية أعمق أن تدعم تماسك الحلفاء في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.ويختتم ديمون رؤيته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استمرار التعاون الأمريكي الأوروبي، معتبراً أن إعادة بناء العلاقة لا تتطلب التخلي عن النظام القائم، بل إصلاحه وتحديثه ليكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات العقود المقبلة.