“وسام القائد”.. شهادة للبنك الإسلامي وللمغرب

يحمل توشيح جلالة الملك محمد السادس لرئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، الدكتور محمد الجاسر، بالوسام العلوي من درجة قائد مؤخراً، أبعاداً تنموية وسياسية تجاوزت الأطر البروتوكولية المعتادة؛ لتشكل محطة فارقة تعكس تحولاً استراتيجيا في خريطة الشراكات المالية والمؤسساتية، في هذه المرحلة التنموية المهمة من تاريخ المغرب. وفي قراءة لدلالات هذا التكريم، يتضح أنه يتجاوز الاحتفاء بشخص المسؤول أو المؤسسة العابرة للقارات، ليتحول إلى شهادة استراتيجية بحق الاقتصاد المغربي وملاءته ومناعة مؤسساته. أرقام الاستثمار والشراكة المليارية تؤكد التقارير المالية والبيانات الصادرة عن مجموعة البنك عمق الشراكة التاريخية مع المملكة المغربية، حيث تُظهر البيانات مساهمة المغرب الفاعلة في رأس مال البنك بحصة 702.6 مليون دينار إسلامي (ما يعادل نحو مليار دولار). كما يترجم احتضان الرباط للمركز الإقليمي لمجموعة البنك الدور الحيوي للمملكة كبوابة تنموية إقليمية. وقد ترجم البنك هذه الثقة بتمويلات استراتيجية كبرى تشمل قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والنقل، والتنمية القروية، بمئات الملايين من الدولارات التي تواكب الأوراش الكبرى التي يقودها المغرب، استعداداً لاستحقاقات قارية ودولية حاسمة مثل كأس أمم إفريقيا وكأس العالم، إضافة لاستثمارات ذات مغزى أكبر في الأقاليم الجنوبية للمملكة، والعالم القروي، لا يزال بعضها طور التشكل. وفي هذا السياق أقر الطرفان العام الماضي "استراتيجية الشراكة القُطرية" الطموحة لمجموعة البنك الإسلامي مع المغرب (2026-2029)، التي جسدت إطاراً محكْماً لتقديم الدعم الإنمائي بما يتوافق مع أولويات "النموذج التنموي الجديد" والإطار الاستراتيجي للمجموعة، تُقدّر قيمتها التمويلية المبدئية بنحو 2.5 مليار دولار أمريكي، أي أكثر من 23.3 مليار درهم مغربي، تتوزع بين موارد البنك ومؤسساته التابعة. وهي صفقة تنموية، تعد بمثابة شهادة لصالح جهود المغرب في الحفاظ على استقرار اقتصاده الكلي وتحقيق نمو مستدام، على رغم التحديات والصعوبات الهيكلية القائمة التي تشمل انخفاض الإنتاجية، ونقص مهارات القوى العاملة، والتفاوتات بين المناطق، وارتفاع بطالة الشباب، فضلاً عن تداعيات التغير المناخي والإجهاد المائي. ولذلك تركزت فرص الاستراتيجية وبرامجها كما تكشف وثيقتها، على ركيزتين رئيسيتين: الأولى على تحرير إمكانات النمو الاقتصادي الأخضر عبر قطاعات الطاقة المتجددة، وتحلية المياه، والبنى التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، وتطوير سلاسل القيمة الزراعية، بينما تركزت الثانية على النهوض برأس المال البشري المنتِج، ودعم برامج الحماية الاجتماعية الشاملة، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز. كما تتضمن الاستراتيجية مجالات ناظمة لدعم التمويل التشاركي، وتمكين المرأة والشباب، والتكيف مع تغير المناخ، إلى جانب تفعيل سياسة التعاون بين بلدان الجنوب لتبادل الخبرات وتوطيد الشراكات لاسيما مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فرص وتحديات الواقع تأتي هذه الخطوة الرمزية في وقت تابعت فيه الصحافة الوطنية والدولية الحراك السياسي والاقتصادي في المغرب من زوايا متعددة تتعلق بالتحديات الهيكلية والسياسية التي تمر بها البلاد، لا سيما في ظل مناخ انتخابي شهد كثرة البرامج الحزبية وتجاذبات حول الأداء الحكومي أفرزت بعض "الضبابية" في تقدير المراقبين. كما رصدت التقارير الإعلامية محاولات الخصوم التشويش على استقرار المغرب وتوظيف ملفات إنسانية حساسة مثل الهجرة والهشاشة الاجتماعية للتأثير على رصيده المعنوي والاقتصادي. وهنا تكمن رمزية التكريم؛ إذ تأتي كشهادة من مؤسسة مالية دولية كبرى بحجم البنك الإسلامي للتنمية إلى جانب الثقة المتواصلة لصندوق النقد والبنك الدوليين وبقية المانحين حول العالم، لتشكل رداً موضوعياً بالغ الدلالة، ينسف خطابات التشكيك، ويؤكد أن المؤسسات الوازنة لا تراهن إلا في بيئات تتمتع بمعايير الاستقرار، وحدٍ لا يعرف المحاباة من الحوكمة والفرص الجدية الواعدة. لا ينفصل هذا الاعتراف الدولي عن الشجاعة السياسية والواقعية التنموية التي يطبعها الخطاب الملكي في المغرب. فقد أبان الملك محمد السادس في مناسبات عدة عن مقاربة نقدية صارمة للتدبير الحكومي والتنموي، مبدياً في محطات متعددة رفضه لتطبيع ظاهرة نمو "البلاد بسرعتين"، ومشدداً على ضرورة تجاوز الفوارق المجالية والاجتماعية. ودعا الملك بوضوح إلى إعطاء دفعة جديدة وقوية للاستثمار المنتج للثروة وفرص الشغل عبر ميثاق الاستثمار الجديد، وإعادة توجيه البوصلة التنموية نحو مسارها الصحيح لضمان وصول ثمار التنمية إلى كافة فئات الشباب والمجتمع في مختلف الجهات، معتبراً أن الاستقرار رغم أنه الرأسمال الحقيقي يجب أن يترجم فوراً إلى عدالة اجتماعية ومجالية ملموسة. عمق الوفاء بين الرباط والرياض تجسدت رمزية التكريم أيضاً في عمق العلاقات الثنائية الاستثنائية بين المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية. فقد عكس حضور السفير السعودي لمراسم توشيح الدكتور الجاسر متانة الروابط التاريخية التي جمعت دائماً بين البلدين الشقيقين، امتداداً للتقاليد العريقة التي لطالما جمعت قيادتيهما تحت مسمى "الأخوين"، في وقت شهدت فيه العلاقات الدولية والإقليمية الكثير من الهزات والتوترات المتلاحقة. إن الوسام العلوي بمرتبة قائد، حين يُقرأ في سياقه الشامل، يثبت أنه لم يكن تكريماً عابراً لرئيس البنك الإسلامي للتنمية فحسب، بل هو شهادة مزدوجة، من عاهل البلاد لمؤسسة مالية مرموقة، رافقت المغاربة في السراء والضراء. وأخرى من البنك لنهج الرباط التنموي، الذي يستوقف رغم التحديات والاكراهات التي تكتنفه؛ خبراء الاقتصاد والمراقبين الدوليين، بما يظهر تصميم الدولة على المضي قدماً في بناء مستقبل تنموي واعد ومستدام. ولذلك كانت إشارة الجاسر في كلمة التكريم لافتة، عند تأكيده، أن "التكريم الملكي الرفيع وسام فخر يعكس عمق العلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية بين المغرب ومجموعة البنك، ويجسد تتويجاً لمسيرة العمل التنموي المشترك وجهود الشركاء كافة". كما لم ينس التنويه بالدور الذي وصفه بـ"المحوري" للمملكة المغربية في دعم مسيرة البنك ومبادراته، "لا سيما في تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب وتبادل الخبرات والمعارف، بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ودفع عجلة التكامل والاندماج الإقليمي". *كاتب صحافي Amustfa@hotmail.com