أكد الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج أن وزارة الخارجية المصرية نجحت على مدار 200 عام في ترسيخ مكانة الدولة وحماية الأمن القومي، مشددًا على أن الدبلوماسية المصرية ستواصل أداء دورها في تعزيز المصالح الوطنية وخدمة المصريين بالخارج.
وفيما يلي نص كلمة معالي الوزير د. بدر عبد العاطي
وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج
بمناسبة الاحتفال بمئتي عام على تأسيس وزارة الخارجية
السيد الدكتور مصطفى مدبولي دولة رئيس مجلس الوزراء،
يسعدني أن أقف بينكم اليوم، في المقر الرابع والأخير لوزارة الخارجية المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، للاحتفال بمناسبة استثنائية في دلالتها، عميقة في رمزيتها؛ وهي مرور مائتي عام على تأسيس وزارة الخارجية، تلك المؤسسة العريقة التي جسّدت، عبر قرنين من الزمان، أحد أبرز تعبيرات الدولة المصرية عن وعيها بذاتها، وإدراكها لمكانتها، وحسن إدارتها لعلاقاتها في محيطها الإقليمي والدولي.
مئتا عام استطاعت وزارة الخارجية خلالها أن تحافظ على سياسة خارجية تقوم على مبادئ وأسس تمثل جوهر وروح الدولة المصرية، مبادئ وأسس تتميز بالشرف والأمانة والنزاهة، مرتكزة على رصيد متراكم من الخبرات العملية في مختلف مجالات العمل الدبلوماسي فضلًا عن الخبرات المعاصرة بالدبلوماسية التنموية والاقتصادية والبيئية، بما في ذلك مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة وغيرها من الموضوعات التي استجدت على الساحة الدولية.
إن احتفالنا اليوم لا يستحضر تاريخ صرح من أعرق صروح الدولة الوطنية الحديثة فحسب، بل يستحضر كذلك مسيرة الدبلوماسية المصرية بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، وأداة رئيسية في حماية مصالح الدولة وتعزيز مكانتها. فمصر لم تنظر يومًا إلى سياستها الخارجية إلا باعتبارها امتدادًا مباشرًا لقدرتها على الاستقرار والتأثير، وتعبيرًا عن رسالتها الحضارية؛ وهي رسالة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، منذ أن أرست الدولة المصرية القديمة مبادئ التفاوض وصناعة السلام، وتجسد ذلك في معاهدة قادش التي تعد من أقدم معاهدات السلام الموثقة في التاريخ، وصولًا إلى الدور المصري المعاصر في ترسيخ الاستقرار الإقليمي والدفاع عن المصالح الوطنية.
فمنذ نشأة الدولة الحديثة في مصر، ارتبط بناء الداخل ارتباطًا وثيقًا بتعزيز الحضور الفاعل في الخارج. فقد جاءت البدايات الأولى للعمل الدبلوماسي المؤسسي في عهد محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، في إدراك مبكر بأن الدولة القوية لا تكتمل أدواتها من دون دبلوماسية قادرة على إدارة علاقاتها، وحماية مصالحها، وتأمين موقعها في نظام دولي مركب، لم يزده الزمن، إلا تعقيدًا وتشابكًا.
وقد تطورت هذه المسيرة من ديوان التجارة والأمور الإفرنجية، الذي مثَّل البدايات الأولى لتنظيم الاتصال بالعالم الخارجي، مرورًا بنظارة الخارجية في مرحلة مجلس النظار، وصولًا إلى وزارة الخارجية في صورتها الحديثة التي ظهرت عقب تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢، في لحظة كانت فيها مصر تسعى إلى تثبيت سيادتها واستقلال قرارها بعد انتهاء الحماية البريطانية على مصر، وتعلن عن انطلاق معركة الاستقلال الوطني وإنهاء الاحتلال. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدبلوماسية المصرية خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري؛ تدافع عن مصالحها، وتشرح مواقفها، وتدير تفاعلاتها مع العالم برؤية ثاقبة وميزان دقيق.
وعبر هذه المسيرة الطويلة، تشكلت مدرسة دبلوماسية مصرية عريقة، لها تقاليدها الراسخة وسماتها المميزة؛ مدرسة تقوم على الرصانة والاتزان ودقة التقدير، وتدرك أن حماية الأمن القومي لا تتحقق بالقوة الصلبة وحدها، بل كذلك بحسن إدارة العلاقات، وبناء التوازنات، ومنع الأزمات قبل تفاقمها.
لقد أدركت هذه المدرسة الدبلوماسية العريقة، في ظل القيادة الحكيمة والرؤية الثاقبة لفخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن الاتزان ليس ترددًا، وأن الحوار لا يعني التفريط، وأن الانفتاح على العالم لا يتعارض مع التمسك الراسخ بالمصلحة الوطنية. ومن خلال توجيهات فخامته وقيادته النشطة للدبلوماسية الرئاسية، وما جسدته زيارات سيادته الخارجية من حضور فاعل ومؤثر، تمكنت الدبلوماسية المصرية من ترسيخ مكانة رفيعة لمصر بين الأمم، وشهدت زخمًا استثنائيًا على مختلف المستويات. وقد تجلى هذا النجاح في قدرتها على الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الأدوات، وبين وضوح الرؤية واتساع دوائر الحركة، بما عزز من دور مصر الإقليمي والدولي ورسخ مكانتها كشريك موثوق وصوتٍ يحظى بالاحترام والتقدير.
ولم تكن الدبلوماسية المصرية، في هذا الإطار، معنية برد الفعل فقط، بل أسهمت في تشكيل بيئات إقليمية أكثر توازنًا، وسعت إلى احتواء الأزمات، ومنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، انطلاقًا من فهم عميق لارتباط استقرار الإقليم بالأمن القومي المصري، ودور راسخ كصانع للسلام وركيزة للاستقرار.
هذه المدرسة الدبلوماسية تعرف متى تتحرك، ومتى تنتظر، ومتى تبني الجسور، ومتى ترسم الخطوط التي لا يجوز تجاوزها؛ ولذلك ظل أداء الدبلوماسية المصرية، في كثير من المحطات، تعبيرًا عن دولة تدير مصالحها بعقلانية في ظل قيادة سياسية حكيمة، وتتحرك بثقة، وتوازن بين المبادئ والمصالح.
ولا يمكن الحديث عن هذه المسيرة من دون الإشارة إلى أجيال من رجال ونساء الدبلوماسية المصرية الذين حملوا اسم مصر في مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في تأسيس منظمات إقليمية ودولية، وواجهوا أصعب التحديات على مر العقود، وأداروا مسارات تفاوضية معقدة؛ من معارك الاستقلال الوطني وإزالة آثار العدوان واستكمال تحرير الأرض بالمعارك الدبلوماسية والقانونية. وقد تجلى هذا الدور بوضوح قبل وأثناء وفي أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣، حين نجحت الدبلوماسية المصرية في البناء على ما حققته القوات المسلحة في الميدان، فخاضت معارك سياسية وتفاوضية دقيقة أسهمت في تثبيت نتائج الحرب واستعادة الأراضي المحتلة وتهيئة الطريق نحو استعادة كامل التراب الوطني. ولعل استعادة طابا، تمثل أحد أبرز النماذج على قدرة الدبلوماسية المصرية على توظيف أدوات القانون والتفاوض دفاعًا عن الحقوق الوطنية.
وعلى مر العصور، كان لوزارة الخارجية شهداء من أبنائها المخلصين، قدموا الغالي والنفيس، وبذلوا أرواحهم في سبيل أداء واجبهم الوطني وخدمة مصالح مصر وصون مكانتها في الخارج. وقد امتد سجل هذه التضحيات عبر عقود وفي ساحات مختلفة للعمل الدبلوماسي، من الصومال إلى باكستان والعراق وكينيا والسودان، حيث ظل أبناء الوزارة في مواقعهم، رغم المخاطر والتحديات، يؤدون رسالتهم بكل شرف وتجرد. وقد أسهمت تضحيات هؤلاء الشهداء في ترسيخ تقاليد مؤسسية راسخة، وبناء علاقات متوازنة، وصون مصالح الدولة المصرية انطلاقًا من المصالح الوطنية التي تعلو ولا يُعلى عليها.
ومن هنا، أتقدم بخالص الشكر والامتنان لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على لفتته الكريمة وقرار سيادته بضم شهداء وزارة الخارجية إلى المستفيدين من صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي العمليات الحربية والإرهابية، وهو ما يعكس التقدير العميق من فخامته لتضحيات أبناء الوطن المخلصين الذين بذلوا أرواحهم وجهودهم في سبيل الواجب، وصون المصالح الوطنية داخل البلاد وخارجها.