أكد وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح أن استعادة دور سورية الحضاري هو مشروع الدولة السورية الجديدة كلها، وفي الوزارات والمؤسسات كافة، مضيفاً: «المملكة العربية السعودية هي عمقنا الإستراتيجي، وثقلنا الكبير، ومركز استنادنا، ومهد الإسلام والعروبة، وهما جناحانا في الثقافة العربية جمعاء».وأوضح في حوار مع «عكاظ» أن مجالات التعاون والشراكة مع المملكة هائلة ولا حصر لها، انطلاقاً من الجذور الأولى للقصيدة العربية، وجغرافيا الثقافة العربية، والشعر النبطي، والخيل العربية السورية الأصيلة وسلالاتها النجدية، وطريق رحلة الحج الشامية الحجازية.* حين نتحدث عن «سورية الجديدة» ما الصورة الثقافية التي تريدون أن يراها العالم؟ وهل نحن أمام ترميم للمشهد الثقافي السابق؟ أم تأسيس لرؤية ثقافية مختلفة في المفاهيم والمؤسسات والأولويات؟** سورية عُرفت عبر التاريخ بما تقدّمه من جديدٍ ومبتكر للعالم بأسره، وهي اليوم إذ تسعى إلى تقديم ذاتها مرة أخرى بعد عشرات السنين من الحجب والتغييب عن الفعل الخلاق والتأثير الحيوي، إنما تسعى إلى إزالة كل ما علق بصورتها من آثار العهد البائد. وأتفق معكم في أنه ترميم يشبه ترميم القلاع والمباني الأثرية العتيقة، لكنه يصيب المعنى كما يستهدف الدور والوظيفة. لا شيء يمكن له أن يشوّه صورة سورية وثقافتنا أكثر من ربطها برعاية الإرهاب ودعمه، كما كانت مصنّفة في دول العالم الكبرى، وها هي اليوم تُرفع من هذا التصنيف وتعود طبيعية كما كان حالها حين قدّمت للدنيا الفكر والعمارة والشعر والقوانين والموسيقا والأبجدية.* عاشت الثقافة السورية سنوات طويلة تحت وطأة الحرب والانقسام والهجرة والرقابة، ما الذي يحتاجه المثقف السوري اليوم أكثر؛ الإبداع والانطلاقة؟ أم المؤسسة؟ أم استعادة الثقة؟ أم إعادة بناء الجسور بين السوريين أنفسهم؟** عانى المثقف السوري من كل ما تفضلتم بذكره، وفوقه أضعاف مضاعفة من الرقابات والسيطرة وتعمّد التجهيل والحرص على رداءة المحتوى. كان المثقف السوري إذا أنتج عملاً رفيع المستوى يشعر وكأنه ارتكب جريمة، وعليه أن يفرّ بجلده، فبالتأكيد ستجري ملاحقته في ظل حالة عامة تعادي النجاح والتميّز. لذلك برزت لدينا ظواهر المنفى وهجرة العقول والأقلام فراراً من الرقابة والملاحقة. ولم يكن ضرورياً أن يكتب المثقفون في شؤون سياسية حتى تجري محاربتهم، غالبيتهم كانوا من النقاد والشعراء والرسامين، لوحقوا على فرادتهم وتفوقهم. ما يحتاجه المثقف السوري اليوم هو المناخ الملائم ليبدع. مناخ تخلقه مؤسسات الدولة والمجتمع، إذا لم نفعل ذلك سنكون مقصرين بحق مثقفينا ومثقفاتنا. واستعادة الثقة التي تسألون عنها هي من العقبات الوهمية التي وضعها البعض في طريق العلاقة بين المثقفين والدولة. من أفقد الناس الثقة به كان نظام الجريمة البائد. أما الدولة السورية الجديدة فهي شرعت منذ اللحظة الأولى بمشروع واسع وضخم لإصلاح الواقع الخدمي وإحياء البيئة الثقافية التي كانت قد ذبلت وجفّت قبل تحرير دمشق. وبالتأكيد وفي وضع كالذي وجدناه بعد زوال الكابوس، ستكون من أجلّ وأصعب مهامنا في وزارة الثقافة مهمة تعريف السوريين بالسوريين من جديد، ومحو الأكاذيب والبشاعة التي أشاعها العهد البائد عنهم في نظر بعضهم إلى بعض. لكنها أيضاً مهمة تنويرية شيقة، فالسوريون يكتشفون كل يوم كم فاتهم من ثراء وغنى في تنوّعهم الثقافي. بوسع التعارف أن يبني الجسور التي من واجبنا أن نحرص على بنائها وأن نوطّدها ونقوّيها ونخلق المشهد الذي يتلاقى فيه الجميع.* إلى أي مدى يمكن للثقافة أن تسهم في المصالحة الوطنية السورية؟ وهل لدى الوزارة مشروع يجعل من الأدب والفن والمسرح والسينما أدواتٍ لجمع الذاكرة السورية، بدلاً من أن تتحوّل الذاكرة إلى ساحة جديدة للصراع؟** الثقافة السورية برحابتها واتساعها هي المساحة المشتركة المرشّحة لتحقيق المصالحة الاجتماعية الوطنية، فهي المعنية بترقية المعرفة بالقوانين، ونبذ الانتقام واللجوء إلى التمدّن والتحضّر في تحصيل الحقوق، ولذلك عقدنا على هذا المسار اجتماعات مع رئيس هيئة العدالة الوطنية العميد عبدالباسط عبداللطيف وأعضاء الهيئة، واتفقنا على العمل المشترك، ونحن على تنسيق مستمر وتبادل للخبرات والكفاءات، لتسير العدالة مع السلم الأهلي مترافقَيْن بنشر ثقافة الأمل والتفاؤل بمستقبل مشرق لكل المواطنين السوريين. وأطلقنا من أجل ذلك دعمنا لمشاريع توثيق الذاكرة السورية، الأدبية والفنية والسردية. وأنتجنا مسرحية «بروفة يوم الحساب» التي قدّمها نجوم سوريون كبار مثل ماهر صليبي ويارا صبري وجابر جوخدار وروبين عيسى، حتى لا تضيع ذاكرة المعتقلات وآلام النساء بعد أن فرّ الذي كان يأمر بحبسهن واضطهادهن وقد ناقشت هذه المسرحية مسألة الحق والعدالة الانتقالية وبعثت برسائل كثيرة توكل إلى الدولة وحدها والقانون وحده مسألة المحاسبة. وبالتأكيد لدينا العديد من الأدوات والآليات والمؤرشفين والبرامج، سواء في الأعمال التوثيقية أو المراكز الثقافية ومسارات ورش العمل التي تستطيع حفظ الذاكرة وتحليلها ورقمنتها وتوجيه الأذهان إلى المسارات المناسبة لمعالجتها، دون تركها ساحة للصراع والتجاذبات.* هناك ملايين السوريين الذين عاشوا سنوات خارج وطنهم، وبينهم كتّاب وفنانون وأكاديميون ومبدعون؛ كيف تنظرون إلى هذه الثروة الثقافية السورية في المهجر؟ وما الذي يمكن أن تفعله الوزارة لاستعادتها أو إعادة ربطها بالمشهد الثقافي داخل سورية؟** بات لدينا تقليد راسخ في كل مناسبة أو فعالية تنظمها وترعاها وزارة الثقافة وهو أن نقوم بدعوة المثقفين والكتاب والفنانين السوريين الذين عاشوا سنوات طويلة في المنفى، والذين أبعدتهم القوة الطاردة للعهد البائد. ومن هؤلاء ممن نعتز بدعوتهم الكاتب والناقد السوري خلدون الشمعة الذي وجّهتُ إليه الدعوة للتكريم في مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، بعد أكثر من 50 سنة من المنفى في لندن، وشرفتُ بحضور توقيع كتابه الجديد، وكثيرون غيره سبق أن دعوناهم إلى معرض الكتاب وحضروا إلى دمشق ونظمنا لهم المحاضرات في أروقة المعرض، وكانوا سعداء جداً بمشاركتهم، منهم المفكر السوري الكردي الدكتور عبدالباسط سيدا، والأمثلة كثيرة. نحن في وزارة الثقافة نشعر أن استعادة السوريين من الخارج وتقديم الفرصة إليهم كي يقدّموا نتاجاتهم الأدبية والفنية هو مصدر غنى لعملنا. وهم كما تفضلتم ثروة كبرى لا يجوز أن تقدّم ما لديها من إبداع لدول العالم وأن يُحرم السوريون منها في بلدهم.* عُرفت سورية تاريخياً بتنوعها الديني والمذهبي والقومي والاجتماعي؛ كيف يمكن للثقافة اليوم أن تحمي هذا التنوع وتقدمه بوصفه مصدر قوة للهوية السورية، لا مدخلاً للخلاف والانقسام؟** من حوّل التنوّع الثقافي السوري إلى مدخل للخلاف والانقسام، هو العهد البائد. في سورية الجديدة لا مكان لهذا المنطق. ولا تعمل وزارة الثقافة وفق مساطر أيديولوجية أو عنصرية تمييزية، بل هي لجميع السوريين، ومنجمها هو الثراء والتنوع السوري الذي تكمن فيه مقومات حمايته، وبجعله يزدهر أنت تقوّيه وتصقله وتخلق له مساحة للحضور ويصبح حاجة للناس. نظمنا أسابيع للثقافة الكردية والآشورية والسريانية والشركسية والتركمانية وغيرها، لتنشيط الموسيقا والفنون والتراث. وإذا سألتني كيف تقبّلها الجمهور السوري؟ سأقول لك إنه استقبلها بسعادة هائلة وباستكشاف لافت واحتفاء مرحّب. وكان هذا مصدر سعادة لينابيع تلك الثقافات وفنانينها ومبدعيها.* تعرض جانب كبير من التراث السوري المادي وغير المادي خلال سنوات الحرب للتدمير والنهب والتهريب؛ أين تضعون ملف استعادة الآثار وحماية المدن التاريخية والمخطوطات والذاكرة الوطنية ضمن أولويات الوزارة؟** قطعنا أشواطاً واسعة في هذا المضمار، بعد أن وضعناه على جدول أعمالنا اليومي، أولاً حماية التراث السوري المادي واللامادي دخلت في صلب برامجنا ومشاريعنا التعاونية مع الشركاء الدوليين والوطنيين. بالتأكيد كما يعرف الجميع فقد طبقت في العقود الماضية عمليات نهب ممنهجة ومتواصلة لسرقة وتهريب الآثار السورية، ونشأت مافيات مرتبطة بنظام الأسد وعائلته والمسؤولين المقرّبين منه للاتجار بالآثار السورية. وقد عملنا على إنهاء هذه المظاهر وتأمين المتاحف بمنظومات مراقبة متطورة لمنع تكرار هذه الجرائم. وسورية تعاونت مع الإنتربول الدولي ودول العالم لاستعادة آثارها المنهوبة وتم بالفعل استرداد العديد منها وإعادتها إلى مهدها في سورية. وزارة الثقافة وصية على المقتنيات الأثرية والمخطوطات السورية نيابة عن المواطنين، ومسؤوليتنا العمل على صونها ومتابعتها بالتعاون مع الجهات المختصة في الحكومة.* لسورية مكانة استثنائية في الذاكرة الثقافية العربية، من الشعر والمسرح والموسيقا إلى الدراما والفنون؛ هل لديكم مشروع لاستعادة دمشق دورها بوصفها واحدة من العواصم المركزية للثقافة العربية؟** استعادة دور سورية الحضاري هو مشروع الدولة السورية الجديدة كلها، وفي الوزارات والمؤسسات كافة، ليس هذا فقط، بل إن استعادة الدور الثقافي السوري والمكانة السورية هدف لأشقائنا العرب، وقد لمسنا هذا من خلال الدعم الكبير الذي تقدمه الدول العربية والصديقة لسورية كي تتعافى. في كل مهرجان دولي نعلنه نحن نقول ها قد عادت دمشق لتلعب دورها التاريخي عاصمة للثقافة العربية، ومركز إشعاع حضاري، ومنبراً للشعر والرواية والقصة والمسرحية والسينما والفن التشكيلي.* كيف تنظرون إلى المملكة العربية السعودية اليوم بوصفها شريكاً ثقافياً لسورية؟ وما المجالات التي ترون أنها مؤهلة لبناء تعاون طويل المدى بين البلدين في النشر والترجمة والمسرح والسينما والتراث والصناعات الثقافية؟** المملكة العربية السعودية هي عمقنا الإستراتيجي، وثقلنا الكبير، ومركز استنادنا، ومهد الإسلام والعروبة، وهما جناحانا في الثقافة العربية جمعاء. وإذا أردت أن تفكّر في التعاون السوري العربي فعليك أن تتوجه نحو الرياض أولاً، ومجالات التعاون والشراكة مع المملكة هائلة ولا حصر لها، انطلاقاً من الجذور الأولى للقصيدة العربية، وجغرافيا الثقافة العربية، والشعر النبطي، والخيل العربية السورية الأصيلة وسلالاتها النجدية، وطريق رحلة الحج الشامية الحجازية. نسعى إلى تنشيط التحقيق والمخطوطات، وقد أنشأنا جسراً للتواصل ما بين المؤسسة العامة للسينما في سورية وبين مهرجان البحر الأحمر في جدة وكذلك مع السينمائيين السعوديين. ولدينا تفاهمات مع شركات سعودية للإنتاج الفني والثقافي والإعلامي. وسيتسع نطاق هذا التعاون قريباً ليشمل جوانب الترجمة ونقل الآداب والدوريات والمسرح والتراث. في الشهر الماضي فقط قمنا بتكريم الناقد السعودي الكبير الدكتور عبدالله الغذامي لدوره في تطوير الأدب العربي ليس في السعودية وحدها بل في العالم العربي بأسره. وقد كانت الثقافة السعودية ضيفة شرف على معرض دمشق الدولي للكتاب بجناح مبهر لفت أنظار الرواد وحقّق الكثير من الحضور.* تشهد المملكة في ظل رؤية السعودية 2030 تحولاً ثقافياً واسعاً وتوسعاً في المتاحف والفنون والسينما ومعارض الكتب والصناعات الإبداعية؛ ما الذي يمكن لسورية أن تستفيد منه في هذه التجربة؟ وما الذي تستطيع الثقافة السورية -في المقابل- أن تضيفه إلى المشهد الثقافي السعودي؟** أرى أن التحوّل الثقافي في سياق رؤية السعودية 2030 تجربة مُلهِمة للثقافة السورية، والانفتاح الواسع الذي تعيشه الثقافة السعودية في الحقول التي ذكرتموها لم يعد مجرد ظاهرة، بل أصبح واقعاً يحمل معه رياح التغيير والتأثير الإيجابي الذي أخذنا نرصد انعكاسه على دول المنطقة. وروح المبادرة الموجودة في رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دافع كبيرٌ ومحرّك قوي لهذا التحوّل الذي تشيرون إليه. ويقابل هذه الروح في سورية التحالف السياسي والتاريخي بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس أحمد الشرع، تحالف شهد له العالم، وكان له الدور الأكبر في مسار رفع العقوبات عن سورية وعودتها إلى وضعها الطبيعي. لا تحتاج سورية للبحث عن مكانها لدى الجمهور السعودي، فهو يحفظ لها كل تفصيل من تفاصيل ثقافتها، وكل زخرفة شرقية صنعت في دمشق وكل كلمة وردت على لسان أبطال الذاكرة الثقافية والفنية السورية، تزيد من ذلك التقدّم الكبير الذي تشهده صناعة المعرفة في المملكة، على صعيد النشر والإنتاج والتنظيم والتحول الرقمي الواسع. وسورية بحاجة إلى الإمكانات والخبرات السعودية التي سبقتنا إلى تطوير ذاتها.* ظلت العلاقات بين الشعبين السعودي والسوري -رغم تعقيدات السياسة- محتفظة بمساحة واسعة من الود والتواصل؛ هل تستطيع الثقافة أن تسبق السياسة أحياناً في إعادة بناء العلاقات بين الدول والشعوب؟** الثقافة رصيد مكين وراسخ وغير قابل للنفاد. وثقافة من نوع الثقافة السورية والسعودية لا تتأثر بتعقيدات السياسة وتقلباتها، ولذلك بقيت صامدة خلال العقود الماضية التي اختطفت فيها سورية نحو محاور بعيدة عن هويتها العربية، وهذا الصمود يرجع الفضل فيه إلى أصالة الشعبين وحكمة القيادة السعودية التي تتحمّل مسؤولياتها العربية والإسلامية ولا تتخلى عن روافدها، هذه القيادة التي استطاعت أن تميز بين الشعب السوري الأصيل والحالة الأسدية المارقة التي صادرت البلاد. سورية الجديدة تدرك هذا البعد وتتمسك به، وتعرف قيمة العلاقات الصلبة والقوية بين دمشق والرياض والتي لم تنتج إلا كل ثمرة إيجابية في الزمن السوري الجديد.* الدراما السورية.. هل لدى الوزارة رؤية لإعادة سورية إلى موقعها المؤثر في الدراما والسينما والإنتاج الفني العربي، وربما عبر شراكات مع المؤسسات والمنصات السعودية؟** الدراما السورية مسؤولية متعددة الأطراف، تتعاون عليها وزارة الإعلام والثقافة ومؤسسة الإنتاج ونقابة الفنانين وشركات القطاع الخاص، وتبدأ فعاليتها من المعهد العالي للفنون المسرحية بفرعيه التمثيل والنقد والذي يتبع وزارة الثقافة، وكذلك معهد السينما، وتعتمد الدراما بشكل كبير على المحتوى الثقافي المتقدّم والسامي الذي يقدّم عبر الأعمال الدرامية التي تنتجها، وأنا وفريق وزارة الثقافة على تواصل مستمر مع الفنانين السوريين نطرح عليهم الأفكار ونناقشهم في المشاريع الطموحة، ونؤمن بأن الدراما السورية كانت من أهم القوى الناعمة لسورية وللثقافة العربية، قبل أن تنحدر في السنوات الماضية بسبب توجيهها القسري وتراجع العناية بها، يمكن للدراما السورية أن تستعيد مكانتها عبر الشراكات، ونحن نرى في الإمكانات السعودية الكبيرة سواء في الإنتاج أو السوق فرصةً كبيرة لانتعاش الدراما السورية التي تحتاج اليوم إلى نصوص درامية عالية المستوى، ومواضيع شيقة ذات قيمة تهم المشاهد العربي بفئاته الاجتماعية الواسعة.* جيل سوري كامل نشأ خلال سنوات الحرب، وبعض أبنائه عرفوا سورية من خلال ذاكرة آبائهم أو شاشات الهواتف أكثر مما عرفوها على الأرض؛ ما المشروع الثقافي القادر على إعادة تعريف هذا الجيل بوطنه وهويته، من دون الوقوع في خطاب تلقيني أو أيديولوجي جديد؟** ما وصفتموه في سؤالكم هو واقع مأساوي عبرناه، وحتى نتمكن من تصويبه قمنا بتسيير حزمة من المشاريع دفعة واحدة، من بينها الحافلة الثقافية التي تذهب إلى المجتمعات حيث هم، وتنقل إليهم المكتبة والتعلّم باللعب والتفاعل الحيوي، وبرنامج الطفل «نماء» وبرنامج صناع الأثر وبرامج التدريب في العطل الصيفية، التي تقدّم المعلومات مع التدريب والترفيه، ومهرجان صيف سورية الذي أطلقناه في دمشق والمحافظات السورية المختلفة، ومهرجانات نيسان حمص والحملات التي نظمناها لدعم إعادة الإعمار، هدفنا من ذلك كله إعادة تعريف الجيل الجديد ببلده وهويته دون أن يشوّش عليها حزب سياسي بأيديولوجية بالية أو خطاب تلقيني لم يعد ساري المفعول في هذا العصر. نعيش في سورية الحرة ولا حاجة بنا إلى تلقين أحد فالشعب السوري تقدّم كثيراً مقارنةً بما كان عليه في الماضي.* لو طلبنا منكم أن توجهوا عبر «عكاظ» رسالة إلى المثقف السعودي والعربي عن سورية التي تتشكل اليوم، فماذا تقولون له؟ وما الذي تنتظره دمشق ثقافياً من الرياض ومن الفضاء العربي في هذه اللحظة التاريخية؟** سورية كانت -ولا تزال- بحاجة إلى حاضنتها العربية، إلى الشراكات في صنع اللحظة والمستقبل، ودمشق تنتظر من الرياض والدوحة والكويت والقاهرة وعمّان أن تتلاقى الأيدي للمضي نحو التنمية الثقافية والازدهار الاجتماعي الذي تتيحه ثقافة أرفع وأكثر سمواً. أما المثقف السعودي والعربي فمدعوٌ إلى بلده سورية ليقيم فيها الأمسيات ويقدّم المسرحيات ويعرض الأعمال الفنية وسيجد جمهوره بانتظاره بشوق إلى حضوره وتأثيره وتألقه، وليتعاون مع نظرائه من المثقفين السوريين في الأعمال المشتركة، وسيجد بيته المرحّب في وزارة الثقافة السورية التي تعتز به وتفخر بمنجزه الثقافي الذي نباهي به بين الأمم والثقافات، فدمشق التي استعدناها تشتاق إلى امتدادها العربي.