وداعاً للسياسة «النباتية».. هكذا تستعد استخبارات ألمانيا لـ «عصر الحيوانات المفترسة»

تبدأ ألمانيا، الأربعاء، عملية إصلاح شاملة لأجهزتها الاستخباراتية عبر منحها صلاحيات موسعة، في خطوة تُعَدّ ضرورية في ظل تزايد التهديدات منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.ويتوقع أن تكتسب أجهزة الاستخبارات الألمانية، سواء الخارجية (BND) أو الداخلية (BfV) التي لطالما سخر منها البعض بإطلاق وصف «نباتيين» عليها وسط حيوانات مفترسة، القدرة على تنفيذ عمليات سرية، والتدخل لمواجهة التهديدات الخارجية.وفي مقابلة مع صحيفة «بيلد» نُشرت الثلاثاء، قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت: «حان الوقت لتعزيز قدراتنا لنتمكن من العمل على قدم المساواة مع الأجهزة الشريكة لنا حول العالم».وسيُعرض مشروع الإصلاح الذي كان محل نقاش لعدّة أشهر، على مجلس الوزراء الأربعاء، على أن يمر لاحقاً عبر البرلمان لإقراره.وفي بلد لا تزال تطارده ذكريات «الغستابو» النازي وجهاز «الستاسي» في ألمانيا الشرقية الشيوعية، كانت تُفرض سابقاً قيود صارمة على أنشطة الاستخبارات.غير أن رئيس اللجنة البرلمانية المشرفة على أجهزة الاستخبارات مارك هنريشمان يشدد على أن «نقطة التحول» التي أعلن عنها المستشار الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس في 2022 عقب حرب أوكرانيا مباشرة، وشملت بشكل خاص زيادة الإنفاق العسكري، يجب أن تمتد الآن لتشمل أجهزة الاستخبارات أيضاً.وصرح النائب المحافظ، بأن ألمانيا تجد نفسها «في خضم صراع هجين مع روسيا، وكذلك مع أطراف فاعلة أخرى».أعمال تخريب في الخارجاقتصر دور جهاز الاستخبارات الخارجية حتى الآن بشكل أساسي على جمع المعلومات. أما في المرحلة المقبلة، فمن المتوقع، على غرار أجهزة استخبارات دول أخرى، أن يُمنح الجهاز صلاحيات «عملياتية» للتصدي للتهديدات.ويشمل ذلك خاصة القدرة على تعطيل أنظمة الكمبيوتر في الخارج، رداً على الهجمات السيبرانية. وفي حالات التوتر أو الضرورات الدفاعية أو المخاطر المحددة، يمكن للجهاز أيضاً تنفيذ أعمال تخريب في الخارج.وعامة ستُمنح الاستخبارات الألمانية صلاحية تنفيذ عمليات اختراق إلكتروني للتلاعب بالبيانات أو حذفها، ما سيتيح على سبيل المثال تعديل تعليمات تصنيع الأسلحة، أو جعلها غير صالحة للاستخدام وهي لا تزال في مرحلة الإنتاج.ويشير هينريشمان أيضاً إلى مسألة المدفوعات الموجهة لعملاء «من المستويات الدنيا»، أو «يمكن الاستغناء عنهم»، والذين غالباً ما يتم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ مهام لمرة واحدة؛ إذ نفذ هؤلاء عدداً متزايداً من أعمال التخريب في البلاد خلال السنوات الأخيرة، وعادة ما يتلقون أجورهم بالعملات الرقمية.ويوضح هينريشمان، أنه لو تمكنت أجهزة الاستخبارات من حظر هذه المعاملات، فإن مثل هذا العميل المؤقت «لن يحصل على أمواله، وبالتالي لن يمضي قدماً في تنفيذ العمل».كذلك، لن يُسمح لعملاء جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني باستخدام العنف ضد الأفراد في الخارج، على عكس عملاء الموساد الإسرائيلي، أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).غير أن هناك تطوراً جديداً يتمثل في أن عناصر الجهاز لن يعودوا بحاجة إلى إذن صريح لحمل الأسلحة في الخارج، وهي قاعدة تنطبق على جنود الجيش الألماني (البوندسفير)، إذ سيتم حمل هذه الأسلحة لأغراض الدفاع عن النفس فقط.تهديد للخصوصيةعلى الرغم من أهمية هذا الإصلاح التي تأكدت بوضوح الأسبوع الماضي إثر العثور على مسيّرة مفخخة في مطار لايبزيغ بشرق البلاد، إلا أنه واجه انتقادات واسعة، إذ يرى المعارضون أنه يهدد خصوصية السكان، وحرياتهم المدنية.وانتقدت مفوضة حماية البيانات الفيدرالية لويزا شبشت-ريمنشنايدر هذا الإصلاح، لأنه يجرد مكتبها من صلاحياته الرقابية المتعلقة بحماية البيانات.ونتيجة لذلك، ستكون قدرة الأفراد المعنيين على الوصول إلى معلومات حول كيفية تعامل أجهزة الاستخبارات مع بياناتهم محدودة للغاية. من جانبها، حذرت «جمعية الحقوق المدنية» من «توسع هائل في صلاحيات أجهزة الاستخبارات».في هذا السياق، حذر ممثل الجمعية كاي ديتمان عبر صحيفة «راينيشه بوست» من أن «كلاً من جهاز الاستخبارات الخارجية وجهاز حماية الدستور سيتمكنان من انتهاك الحقوق الأساسية بشكل جسيم، لا سيما من خلال التحليل القائم على الذكاء الاصطناعي من دون أي ضمانات تقريباً، والوصول إلى كاميرات المراقبة بالفيديو الخاصة، وحتى شن هجمات إلكترونية مضادة».