وجه آخر من سوريا

كانت المرة الأخيرة من زيارتي دمشق مميزة في إطار سبع زيارات، قمت بها منذ أواخر عام 2024، الجانب الأهم في تميزها، ذهابي في تجربة عملية مع سوريين من خارج إطار علاقات الصداقة وعلاقات القربى، التي اعتدت على الانخراط فيها في الزيارات السابقة. والطريف أن التجربة بدأت مثل غيرها بدعوة من صديق للانضمام إلى مجموعة «واتساب» ذات طابع ثقافي اجتماعي، قدرت أنها مثل مجموعات درج السوريون على تشكيلها لأهداف متعددة، لكن واجهتها الأساسية نقاش ومحاولة البحث في الموضوع السوري وطرق علاجاته، وقد أمضينا سنوات دون الوصول إلى نتائج مرضية، وما زالت المجموعات قائمة وتتكاثر.

وخلافاً لما اعتدت عليه من التحفظ ورفض الدخول إلى مجموعات جديدة، فقد قبلت ومع الإطلالات الأولى على ما ينشر ويناقش في المجموعة، لمست روحاً مختلفة ومستويات عالية من المسؤولية والتعامل بين المشاركين، ولغة هادئة وموضوعية في التعامل مع الظواهر والمعلومات والأحداث، وفي نقاشها، ولمست أيضاً الجانب العملي لهذا الجهد ممثلاً في متابعة أنشطة ثقافية واجتماعية، وتفاعل إيجابي معها وصولاً إلى تنظيم مشاركات جماعية في تلك الأنشطة، وبينها زيارة قرى ومؤسسات، وإقامة ندوات ثقافية معرفية تتناول قضايا وموضوعات، يتم اختيارها في إطار المجموعة، وزيارات معارض للفنون وأخرى لمنتجات حرفية وغذائية، تنظمها هيئات محلية أو أشخاص في مدن وقرى سورية، وهذا بعض من فيض واسع مفتوح أمام أعضاء المجموعة للاتفاق عليه والتعامل معه بما يمكن.

وبطبيعة الحال، فإن نشاطاً بهذه الروح وبهذا المدى الواسع من اهتمامات، لا يمكن القيام به دون قدرات مادية وإدارية، أما الأولى فكان حلها سهلاً، وهو الاعتماد على موارد ذاتية، بمعنى أن القيام بأنشطة وأعمال تتطلب مصاريف سفر وطعام مثلاً، يقع توفيرها على عاتق القائمين بها، فيما يوفر منسقو - إداريو تلك الأعمال والأنشطة الفرص الأفضل والأنسب للتكاليف، إضافة إلى وضع البرامج التنفيذية، والقيام بالاتصالات اللازمة مع الأفراد والجهات المعنية بنجاح الأنشطة. وبذلك تكتمل حلقة نجاح مبادرات المجموعة بمشاركة وقبول ورضا الجميع.

المنسقون في المجموعة (الإداريون عملياً) أشخاص متطوعون يحوزون رضا المشاركين في المجموعة، وغالباً ينتمون إلى نخبة مهنية وأكاديمية رفيعة المستوى ولديهم خبرات وعلاقات متراكمة، تساعدهم في أداء مهماتهم بسلاسة ويسر، تساعدهم في ذلك قائمة تفاهمات، تقوم على استبعاد ما يثير الخلافات، ويعزز التوافقات، ويخفف فرص اللغط والذهاب إلى غير ما تشكلت على أساسه المجموعة في علاقات المودة والتآخي والتشارك بين المنتمين إليها، بل وفي تآخيهم مع السوريين الذين خارج المجموعة، والعمل إلى أقصى حد على إشاعة ما في داخل المجموعة من قيم نبيلة وتشاركية، حيث أمكن في المجتمع، وهو مسعى أساسي للسوريين، يساعدهم في جهود تجاوز مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة بناء سوريا، ليس بالمعنى الاقتصادي الحصري، بل بالمعنى الشامل ليكون البلد قادراً على الحياة والتقدم في الداخل، وقادراً على لعب دور حقيقي في الخارج على المستويين الإقليمي والدولي.

ليست السياسة شاغل وهم المجموعة، بل المجتمع، وهو ما يكشف بعد نظر المشاركين فيها أو أغلبهم في مجانبة ما يثير الانقسام والاختلافات القائمة والممكنة أيضاً، وهذا لا يعني ابتعاداً عن السياسة بمعناها العام باعتبارها علم وفن إدارة المجتمعات، بل إنه يخدمها من خلال تقوية المجتمع بتعزيز العلاقات داخله بين الهيئات والمؤسسات من جهة، وبين أفراده من الجهة الأخرى، وخلق تجارب تشاركية، وتفاهمات عملية، وخطوات إجرائية، تحسن الحياة وتعزز جودتها، وتجعل الناس أقدر على المشاركة.

ليست مهمة المقال، امتداح التجربة، إنما شرح بعض جوانبها. وليس هدفه الكشف عن المجموعة، التي هي علنية وفيها من الشفافية ما يفيض عن كل تجارب الشفافية في سوريا اليوم، الغاية منه قول إن ثمة تجارب سورية (وهذه مجرد واحدة منها) تؤكد اختلاف ما فيها مع الصور الشائعة، التي يمكن اختصارها بإشارات، تبرزها وسائل التواصل الاجتماعي ومنابر إعلامية، والمناحة العامة الدارجة، وبينها أن سوريا بلد المشاكل والأزمات والخلافات والصراعات، التي تبدأ من السياسة وموضوعاتها وأحداثها إلى الاقتصاد وما فيه من مشاكل وعيوب وتخبط، والمجتمع بما فيه من انقسامات وتنمر في علاقات مكونات الجماعة الوطنية في خلفياتها ما تحت الهوية السورية، وكلها أمور حاضرة بقدر ما، لكن لا ينبغي التركيز عليها وحدها، فالحياة لا تتوقف عن المشاكل والظروف الصعبة أياً كانت.

ليس الهدف إبراز الاختلاف، وهذا مهم للتمييز بين ما تمثله هذه المجموعة ومثيلاتها على مستوى المجموعات والأفراد السوريين، وآخرين من سوريين وجماعات، يخلقون الضجيج في سوريا وحولها، وينقسمون شكلياً إلى فريقين متنابذين، يضيعون فرص التقدم السوري، بل ويغامرون بمستقبل بلدهم وأجياله القادمة، وقد دفع الشعب السوري فاتورة كبيرة من أجل أن يكون أفضل.

انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة