قليلة هي الأماكن التي تشكّل عناصرها المتنوعة سواء بيئية أو بشريّة منطقة تعكس التكامل بين الإنسان والبيئة، ومثل هذه الأماكن هي من تحقَّق مصطلحاً مهماً في علم السياحة وعالمها: نقطة البيع الفريدة (A unique selling point (USP))، وهذه إحدى الميزات التنافسية التي تؤثر بشكلٍ جوهري في جذب السائح، الزائر، وتقود راية صناعة تجربة الزائر الفريدة.كان هذا المصطلح جوهر رسالة الماجستير في إدارة الفنون والتراث الثقافي التي طبقّتها على العلا كوجهة تجمع عناصر تحقق نقطة البيع الفريدة، وإن كانت العلا واحدة من مدن وادي القرى، إلا أننا لم نربط الجانب الأدبي التاريخي لوادي القرى إلا بشاعر بني عذرة القضاعية، جميل بن معمر، ونجهله باسم معمّر ونعرفه باسم بثينة، وهذه خطيئة الحب.وادي القرى أو العلا في شهرته ومعرفة العامة، لم يقتصر على شاعرٍ عاشق، وقصّة العشق التي خلّدها التاريخ، ووثّق فيها الأماكن شعراً، ومنادمته لناقته، حتى وفاته بمصر وعودتها بأبيات الوداع إلى وادي القرى مع مؤتمن قدّم له الميراث نظير إبلاغها محبوبته بثينة. بل هناك من خلفَ جميل بثينة، ولكن في عذوبة صوته لا بالعشق، حتى بلغ من الشهرة نسبته إلى وادي القرى، وقد تفوّقت موهبته الصوتية على مهنته وحرفته حيث كان مهندساً، وقد ورد ذكره في المصادر والمراجع التاريخية التي وثّقت المهندسين الإسلاميين مثل كتاب: أعلام المهندسين في الإسلام لأحمد تيمور باشا (توفي 1930).عمر الوادي، هذه الشخصية التي جمعني بها وادي القرى خلال بحث الدكتوراه، لم تأخذ حقّها من الحضور إلى واجهة العصر كأحد الأسماء التي ترتبط بوادي القرى كجميل بثينة. وهو: عمر بن داود بن زاذان، كان جده مولى لعمرو بن عثمان بن عفّان، رضي الله عنه، وكان عمر مهندسا في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، إلا أنه كان يحضر مغنياً، ولازم مجالس علية القوم، ويروى بأنه عندما قتل الوليد كان عمر يغني في حضرته، وذكره الوليد بن يزيد في شعرٍ له، منها:إنّما فكرت في عمر ** حين قال القول واختلجاويغني الشعر ينظمه ** سيّد القوم الذي فلجاأكمل الواديّ صنعته ** في لباب الشعر فاندمجاكان عمر الوادي شجي الصوت، قدّمه صوته ليكون من الملازمين لبلاط الخلفاء في العصر الأموي، ولم يكن عازفاً، إلا أنه ذكر بأنه يجيد الطبل، ووصفت براعته بالضرب على الطبل بأن الطبل كأنه يتكلم إن ضربه عمر الوادي، وكان صوته غالباً لآلات الفن، وعرف بأنه أستاذ الفن بوادي القرى، وتعلم على يده عدد من أهل الوادي، واتصل بعدد من المغنيين وأخذ منهم الغناء، وهو من الذين غنّوا في حضرة الوليد بن يزيد بن عبدالملك، وكان يسميّه «جامع لذتي ومحيي طربي».وسبب تعلمه الغناء -ويقصد بالغناء: الصوت- أنه كان عائداً من مكة وسمع صوتاً يغنّي، فجذبه الصوت، وأصغى إليه مستمعاً بروحٍ طربة، وكاد أن يسقط عن راحلته، فتبع مصدر الصوت، فإذا براعي غنم، فطلب إليه الإعادة، واعتذر الراعي بأن ليس لديه ما يقريه به، وأنه لا يحمل معه طعاماً، وأن هذه الأبيات هي زاده: مطعماً، ومشرباً، ومؤنساً، ولكن اعتبر الإعادة قراءً لك، فأعاد الغناء:وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضها ** أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدهامن الخفرات البيض ودّ جليسها ** إذا ما قضت أحدوثة لو تعيدهافحفظها عمر، وبدأ في ترديدها وحفظ غيرها من الشعر، حتى بلغت شهرته آفاقاً قادته إلى بلاط الأمراء.وادي القرى، وجهة يمكن أن يعاد تشكيلها كمنطقة فريدة، جمعت جمال البيئة، أودية وجبالاً وتربة، والحضارة بتعاقب الدول والممالك من قبل الإسلام، واستمر الاستيطان به بعد ذلك، ولا يزال، والفنون شعراً وغناءً، واقتصاداً زراعياً، وأجواءه التي تناسب السفر. ويشكّل تركيبة ثقافية ترتبط بالحضارات من ناحية، والشعر والعشق والفن من ناحية أخرى.لا يزال وادي القرى نبعاً يثري الساحة، حضارته المتواترة تاريخياً، وشعراءه الذين لا يزالون امتداداً لجميل، وأهل فن على خطى عمر الوادي، وللعشاق مغذّياً، وعن سرقة أفئدة العشاق يقول القاضي أبو يعلي التنوخي عن محبوبته التي تقطن وادي القرى:لقد كذب النوم فيما استقل ** بشخصك في مقلتي وافترىوكيف وداري بأرض الشآم ** ودارك أرض بوادي القرى؟ وبعد فلي أمل في اللقاء ** لأني وإياك فوق الثّرىفلم يكن جميل بثينة وحيداً في عشقه، وهو يقول:ألا ليت شعري هل ابيتن ليلة ** بوادي القرى إني إذن لسعيدُختاماً:كل ما مرّت نسايم من شمال ** قلت هذي منك يا واد القرىوالله ان البُعد فوق الاحتمال ** بس هذا الواقع اللي لا يُرى