هيتشكوك / هرمان: الثنائي الذي طبع السينما والموسيقى

صدر مطلع السنة عن «منشورات جامعة أوكسفورد» في بريطانيا كتابٌ بعنوان «هيتشكوك وهرمان» (عنوان فرعي: الصداقة وموسيقى الأفلام التي غيّرت السينما) لستيفن سميث. إذا أردنا التنويع على مقولة «المكتوب يُقرأ من عنوانه» فيمكن القول إن هذا الكتاب يُقرأ من غلافه. تصميمه لا يبدو استثنائياً بالمُطلق، لكنه يكشف عن أسراره عند التمعّن في تفاصيله واعتبار أن المصمّم قَصَد كل عنصر فيه. اسم (ألفرِد) هيتشكوك أصغر من اسم (برنارد) هرمان، بينما صورته أكبر من صورة الأخير. كلاهما يقف «في نفس المكان»، وبالاتجاه ذاته (Three-quarter view). كلاهما ينظر إلى الكاميرا، «هيتش» بثقة وهِرمان بحذر وريبة. هذا يشرح كل العلاقة بين العملاقَين، في السينما والموسيقى، والزواج الناجح بي عالمَيْن فنّيَّيْن في هذه التجربة العظيمة، والطلاق الذي تلاه. لقد كان هيتشكوك عملاقاً في السينما، وهيرمان عملاقاً في الموسيقى، لكن في الأفلام الثقل الأكبر للمخرج بطبيعة الحال (لذا صورته أكبر على الغلاف)، يليه المؤلف الموسيقي. غير أن هرمان لم يكن «يعمل عند» هيتشكوك، ولم يكن يسمح بالتدخّل في عمله الذي يتقنه جيداً (لذا اسمه أكبر على الغلاف).

كان موقفهما موحّداً تجاه الرؤية الفنية للعمل ككُل (لذا يضعهما المصمِّم بالوضعية ذاتها). وعندما قرّر هيتشكوك الانخراط أكثر وبثقة في روح العصر (لذا تبدو نظرته واثقة على الغلاف) والمَيل إلى موسيقى أكثر شعبية في أفلامه، اصطدمت رؤيته برأي هرمان، المؤلف بالمعنى الكلاسيكي الصارم (لا على شاكِلة هانز زيمر!) الآتي من مدرسة سترافينسكي وفاغنر، والذي نظر إلى هذا الانخراط بريبة عالية (وهذا ما يُقرأ بوضوح في عينيه على الغلاف)… هنا، تمزّقت الستارة وانتهى «العرض» الذي قدّماه في صناعة الجمال لمدة 11 سنة، وحصل الطلاق عند فيلم Torn Curtain (ستارة مُمزّقة / 1966).

الكتاب الذي يقع في 296 صفحة يتناول هذه العلاقة بين الأسطورتَين، ببُعدَيها الأساسيَّيْن: الصداقة والعمل. واللافت أن التقطيع الذي يعتمده الكاتب في هذا الإصدار يأخذ شكلاً موسيقياً واضحاً، إذ يبدأ بـ«مقدّمة» بتسميتها الموسيقية (Prelude) في الفصل الأول وينتهي بفصلٍ أخير بعنوان Coda، وهي عبارة تعني لغوياً «ذيل» أمّا موسيقياً فتعني المقطع الختامي في مقطوعة. أمّا بينهما فـ13 فصلاً (علماً أن أول تجربة لهيتشكوك في عالم الإخراج كانت في فيلم لم يكتمِل بعنوان «رقم 13») أو «حركة» إن أردنا الاستعارة من قاموس الموسيقى.

الكتاب الذي يقع في 296 صفحة يتناول هذه العلاقة بين الأسطورتَين، ببُعدَيها الأساسيَّيْن: الصداقة والعمل

التعاون بين المخرج الإنكليزي الكبير والمؤلف الأميركي من أصول روسية امتدّ من فيلم «1955 Trouble With Harry» إلى «Marnie 1964»، مروراً بكل تحف هيتشكوك بين هذين العملَين (باستثناء «Birds» الذي استُخدمَت فيه مؤثّرات صوتية، أشرف عليها فقط هرمان). هكذا، تنوّعت «الأجواء» الصوتية/الموسيقية بحسب الحبكة، غير أن أبعدها عن «الجو العام» لموسيقى هرمان أتت في فيلم «Wrong Man»، إذ مالت إلى الجاز بفعل أن القصة تتمحور حول عازف كونترباص (هنري فوندا) يعمل في جاز بار. لكن قبل ذلك كان لكل من الفنّانَين تجربة غنيّة. هيتشكوك كان قد أنجز نحو أربعين فيلماً، من بينها دزينة على الأقل من التحف الكبيرة، مثل فيلم «Shadow of a Doubt 1943» وما أتى بعده من جواهر، علماً أن هذا الفيلم يفتتح سميث الفصل الأول من كتابه بعنوان يحيل إليه (Shadows of Doubt) وهو بالمناسبة الفيلم المُفضّل لدى صاحبه كما صرّح في إحدى المقابلات. أمّا هرمان فقد سبق أن وضع موسيقى عدّة أفلام قبل مرحلة هيتشكوك، على رأسها «Citizen Cane 1941» تحفة أورسن ويلز، وبعدها، مثل فيلم «Fahrenheit 451» لعاشق هيتشكوك الذي كان، إلى جانب زملائه في سينما «الموجة الجديدة» في فرنسا، المدافع الأشرس عنه وعن تجربته، المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو. هكذا، يسير الكتاب من فيلم إلى آخر، مستوحياً عنوان كل فصل من اسم الفيلم (أو من مشهد مهمّ منه) الذي يتناول حكاية إنجازه بين السينما والموسيقى، حاجزاً فصلَين (أو فصلاً من جزأين) لكل من «Vertigo» و«Psycho» بطبيعة الحال، وكذلك للانفصال الذي وقع عند فيلم «ستارة مُمزّقة»، تحت عنوان «The Curtain Falls» (أسدِلَت الستارة).

غلاف الكتاب كاملاً

كذلك، في الكتاب فصلٌ عن تجربة هيتشكوك في التلفزيون، التي تزامنت تماماً مع مرحلة تعاونه مع هرمان، دون أن يكون للأخير أي دور فيها، باستثناء نصيحته لصديقه باستخدام موسيقى البداية الشهيرة، والتي ارتبطت بالمخرج الكبير حتى آخر أيامه (نسمعها في تكريمه، قبل أشهرٍ من رحيله، من جانب «معهد الفيلم الأميركي» — AFI)، وهي «مارش جنائزي لدمية متحركة» للفرنسي شارل غونو.

كتاب سميث هو نتيجة أربعة عقود من البحث. يتضمّن وثائق لم تُنشر من قبل ومقابلات غير معروفة، لإظهار جوانب غير مُتداولة في التجربة التي جعلت من «هيتش» و«بيني» الثنائي الأكثر شهرةً وتأثيراً في تاريخ السينما، وتحديداً لناحية علاقة المخرج بالمؤلف الموسيقي. كما يضع الكاتب الموضوع في إطار التحوّلات المضطربة التي شهدتها هوليوود بين منتصف الخمسينيات ومنتصف الستينيات، وما نتج منها من فسحات لصناعة الأفلام المستقلة والمناهِضة للثقافة السائدة. كذلك، يتطرّق سميث إلى الحياة الخاصة للرجلَين، عبر تناول شخصيات مؤثّرة من الدائرة المقرّبة لهيتشكوك وهِرمان، مثل زوجة الأول، أسطورة الظل ألما ريفيل، وزوجة الثاني الثانية، الجميلة والمُثقَلة بالهموم، لوسي أندرسون.

يقال، أخيراً، إن هيتشكوك وهِرمان «حَركَشا» ببعضهما أكثر من مرّة لكسر الجليد. لكنّ الجبلَين اللذين تكاملا وتصادما لن يتعاونا مجدّداً… إلاّ بعد رحيلهما، إذ، أُجريَت تجربة على «ستارة مُمزّقة» مُرفقةً بالموسيقى التي كان هرمان قد كتبها وحدّد المشاهد التي سترافقها، وتبيّن أنها كانت ملائمة لروح الفيلم أكثر من الموسيقى التي أوكِلَت مهمة إنجازها إلى جون أديسون! لا بُدّ أن روح هرمان خرجت من القبر بعد هذه الحادثة وتسلّلت حتى وصلت فوق قبر هيتشكوك في ليلة ظلماء وهمسَت: بوووه!