هل ينجح العراق في تحييد نفسه عن حرب إيرانية – أميركية محتملة؟

لم تعد المخاوف العراقية من تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على تداعيات الحرب الإقليمية وانعكاساتها الأمنية والاقتصادية، بل باتت تتركز بصورة متزايدة على قدرة الحكومة على منع انتقال المواجهة إلى الداخل العراقي، والحيلولة دون تحول الأراضي والأجواء والمصالح العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الطرفين.

ومع تصاعد الحديث عن احتمالات عودة الضربات العسكرية، تبرز مخاوف من انخراط فصائل مسلحة عراقية في أي مواجهة محتملة، سواء عبر استهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة أو تنفيذ عمليات عسكرية تحت عناوين مرتبطة بإسناد إيران، الأمر الذي قد يضع العراق مجدداً أمام تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية يصعب احتواؤها.وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن أي تحرك عسكري يصدر عن فصيل مسلح من داخل العراق قد لا يبقى محصوراً في إطار المواجهة بين واشنطن وطهران، بل قد يستدعي ردوداً أميركية مباشرة تستهدف مواقع أو مقار أو بنى عسكرية تابعة للفصائل، على غرار ما شهدته مراحل سابقة من ضربات جوية داخل الأراضي العراقية. وهو ما سيضع الحكومة أمام اختبار فعلي لسلطتها وقدرتها على فرض القرار السيادي ومنع استخدام البلاد منطلقاً لعمليات عسكرية أو ساحة للردود المتبادلة.وفي مواجهة هذه المخاطر، يجد رئيس الوزراء علي الزيدي نفسه أمام ملف بالغ التعقيد، يتمثل في كيفية احتواء تحركات الفصائل المسلحة ومنع انخراطها في أي مواجهة إقليمية محتملة، من دون دفع البلاد نحو صدام داخلي أو أزمة سياسية مع قوى تمتلك نفوذاً وتأثيراً داخل المشهد العراقي.رسالة الزيدي

وبحسب ما تقوله مصادر عراقية مطلعة لـ "النهار"، إن "الزيدي بدأ، خلال الأيام الماضية، تحركات واتصالات عبر وسطاء من قادة الإطار التنسيقي، لإيصال رسائل واضحة إلى الفصائل بضرورة الابتعاد عن أي نشاط عسكري مرتبط بالحرب المحتملة، وعدم اتخاذ قرارات من شأنها تعريض العراق لمخاطر المواجهة".وأضافت المصادر أن "رسالة الزيدي للفصائل الأبرز تتمحور حول أن الحكومة لن تتعامل بتساهل مع أي فصيل يثبت تورطه في المشاركة بالحرب أو تنفيذ عمليات تجر العراق إلى المواجهة، وأن الإجراءات بحقه ستكون حازمة، من دون اعتبارات سياسية أو تنظيمية".وأوضحت أن "رسالة الزيدي تعكس محاولة لوضع حدود فاصلة بين المواقف السياسية من التطورات الإقليمية وبين القرار العسكري الذي يفترض أن يبقى خاضعاً لمؤسسات الدولة، بما يمنع أي جهة من اتخاذ قرار الحرب والسلم خارج الإطار الرسمي".وفي مؤشر على حجم المخاطر التي تحيط بالعراق، كشفت المصادر أن "واشنطن نقلت إلى بغداد تحذيرات من أنها قد تستهدف الفصائل المسلحة بصورة مباشرة إذا قررت الانخراط في حرب جديدة مع إيران، حتى من دون تنسيق مسبق مع الحكومة العراقية".وتأتي هذه التحركات في سياق مساعٍ أوسع تعمل عليها حكومة الزيدي في ملف حصر السلاح بيد الدولة، الذي يمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقة بين الحكومة والفصائل المسلحة. فالمسألة لم تعد تقتصر على منع إطلاق الصواريخ أو المسيرات باتجاه أهداف أميركية، بل تتعلق أساساً بمدى استعداد تلك الجماعات للتخلي عن قرار التحرك العسكري المستقل، والقبول بإخضاع القرارات الأمنية والعسكرية، بما فيها قرار الانخراط في أي مواجهة خارجية، للمؤسسات الرسمية حصراً.وتزداد صعوبة المهمة الحكومية في ظل استمرار تباين مواقف الفصائل؛ ففي حين أبدت بعض الجماعات استعداداً للتجاوب مع مساعي حصر السلاح، لا تزال جماعات أخرى تتمسك بمواقفها الرافضة، وتربط أي التزامات تتعلق بسلاحها بمواقف الولايات المتحدة ومدى احترامها للسيادة العراقية.وقد تجددت هذه الخلافات مع التحذيرات التي أطلقتها فصائل عراقية أخيراً بشأن استخدام الأجواء العراقية في أي هجوم محتمل على إيران، مؤكدة أن ذلك قد يقابل برد عسكري. وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة شديدة الحساسية، تتطلب حماية السيادة العراقية من جهة، ومنع الفصائل من اتخاذ قرارات عسكرية خارج إطار الدولة من جهة أخرى.خطر

في هذا السياق، حذّر الخبير العسكري العميد الركن عدنان التميمي، في حديث لـ "النهار"، من خطورة انخراط الفصائل المسلحة العراقية في أي مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن دخولها على خط الحرب سيضع العراق أمام تداعيات أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية خطيرة، وقد يحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة للضربات والردود العسكرية، بما يهدد أمن البلاد واستقرارها ومصالح شعبها.

وقال التميمي إن "العراق لا يمتلك مصلحة في دخول أي حرب إقليمية جديدة، وإن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع القوى السياسية والفصائل المسلحة إدراك حجم المخاطر المترتبة على اتخاذ قرارات عسكرية خارج إطار الدولة، خصوصاً أن أي استهداف للمصالح أو القواعد الأميركية من داخل الأراضي العراقية قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية أميركية مباشرة، لن تقتصر بالضرورة على الجهة التي نفذت الهجوم، بل قد تمتد آثارها إلى مناطق ومواقع أخرى داخل البلاد".

وأضاف أن "خطورة المرحلة تكمن في أن العراق قد يجد نفسه طرفاً في مواجهة لا يمتلك قرارها، إذ إن انخراط أي فصيل في الحرب، سواء من خلال إطلاق الصواريخ أو استخدام الطائرات المسيّرة أو تنفيذ عمليات عسكرية أخرى، سيضع الحكومة أمام تداعيات تتجاوز قدرتها على احتواء الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية، وقد يعرض المنشآت الحيوية والمواقع الأمنية والاقتصادية للخطر".

شدد التميمي على أن "الحكومة العراقية مطالبة باتخاذ موقف واضح وحازم لمنع أي فصيل من جر البلاد إلى الحرب، وعدم الاكتفاء بالتحذيرات السياسية أو الاتصالات والوساطات، بل ينبغي أن تكون هناك إجراءات عملية ورادعة تضمن عدم استخدام الأراضي والأجواء العراقية في تنفيذ عمليات عسكرية ضد أي دولة، وأن يكون هناك التزام واضح من جميع التشكيلات المسلحة بقرارات القائد العام للقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية الرسمية".

وبيّن أن "مسؤولية الحكومة لا تقتصر على التحذير من تداعيات الحرب، وإنما تمتد إلى منع وقوع أي خرق أمني أو عسكري يمكن أن يعرّض العراق للاستهداف، وفرض سلطة الدولة يتطلب التعامل مع أي جهة تخالف القانون وفق الأطر الدستورية والقضائية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الحزبية أو حجم النفوذ الذي تمتلكه تلك الجهة".

وختم التميمي بتأكيد أن "المطلوب في هذه المرحلة هو تحييد العراق بصورة كاملة عن أي صراع إقليمي، وأن تدرك الفصائل أن حماية العراق ومصالح العراقيين يجب أن تتقدم على أي حسابات أو ارتباطات خارجية، لأن نتائج الحرب لن يتحملها طرف سياسي أو فصيل مسلح بمفرده، وإنما سيدفع ثمنها جميع العراقيين".