هل ينتظر العالم «تشيرنوبل» الرقمية؟

يتسارع سباق تطوير الذكاء الاصطناعي بوتيرة تتجاوز قدرة الحكومات على وضع قواعد تحكم مخاطره، فيما تكشف التطورات الأخيرة أن الأخطار التي كانت تبدو افتراضية بدأت تقترب من الواقع. فقد شهدت الأشهر الماضية حالات استخدم فيها وكلاء ذكاء اصطناعي لمحاولة اختراق قواعد بيانات شركات أخرى وخداع أشخاص حقيقيين، فيما تمكن باحثون من استخدام التكنولوجيا في تصميم فيروسات جديدة. وفي الوقت نفسه، تتجه الشركات نحو تطوير نماذج أكثر استقلالية وقدرة على تحسين نفسها، ما يثير مخاوف من أن يتحول التنافس على التفوق التقني إلى سباق لتخفيف معايير السلامة.ويستند التردد في تنظيم هذه التكنولوجيا إلى روايات تبدو للوهلة الأولى منطقية، وهي أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة تجعل الرقابة التقليدية متأخرة دائماً، والشركات قادرة على وضع ضوابطها الخاصة، كما أن المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين تجعل أي تباطؤ منفرد مخاطرة محتملة. لكن المشكلة أن هذه الحجج تفترض أن الانتظار أكثر أماناً من التحرك، بينما لا تتوقف مخاطر الذكاء الاصطناعي عند حدود دولة أو شركة، ولا تستطيع حكومة واحدة التعامل معها بمفردها. يقدم التاريخ ما يثبت أن التعاون الدولي ممكن حتى في أكثر الظروف تعقيداً. فقد نجحت الدول في الحد من انتشار الأسلحة النووية والكيميائية، وحماية طبقة الأوزون والقضاء على الجدري، رغم اختلاف المصالح وغياب الثقة الكاملة بين الأطراف. ولم يكن التوافق السياسي شرطاً لتحقيق تلك الإنجازات، بل مجرد إدراك أن بعض المخاطر أكبر من الخلافات بين الخصوم.لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى هيئة دولية متخصصة بالذكاء الاصطناعي المتقدم، تتولى رصد الحوادث الخطرة وتبادل المعلومات والتحقق المستقل من إجراءات السلامة، وتضع خطوطاً حمراء واضحة لتطوير الأنظمة الأكثر قوة. ويمكن لمثل هذه الهيئة أن تمنح الحكومات والجمهور والشركات ضمانة لا تستطيع أي شركة توفيرها بمفردها.