هل يعمل الله لدى الصهيونيّة؟
1-"أَللهُ هُوَ ٱلمُنتَقِمُ لي، وَمُخضِعُ ٱلشُّعوبِ تَحتي""الله هو المنتقِم لي...": هذا لسان حال الصهيونيّة منذ ما قبل تكوّنها تاريخيّاً في أواخر القرن الـ19. عندما نقرأ كتُب التوراة والتاريخ بحسب الإيديولوجيَا اليهوديّة نجد كَم أنّ "يهوَه" هو صنيعة أناس شوڤينيّين وعنصريّين وغيورين غضوبين ودمَويّين، يرَون "الأُمم" أعداء لهم يجب استخدامهم أو التخلّص منهم عندما تنتفي الحاجة إليهم. يُبرِّرون كلّ ما فعلوه لصالح هيمنتهم ليسَ إلَّا. ومن أهمّ الشخصيّات التي جاؤوا بها من خارج الزمن بحسب علماء الإناسة (الأنثروبولوجيَا) والتاريخ نجد ابراهيم وسلالته المزعومة وموسى. وقد أوَّلوا الحقائق بالشكل الذي يخدم تطلّعاتهم التوسُّعيّة ومَيلهم إلى الاستيلاء على موارد شعوب حاربوها بشراسة ووحشيّة لأجل التمتّع بكلّ شيء وحدهم وعلى حساب سواهم. في وقت "يأمر سفر اللاويين 19: 33-34 بمعاملة الغريب المقيم معاملة حسنة، وأن يُحَبّ *كنفسك*، مذكِّراً إياهم بأنّهم كانوا غرباء في أرض مصر. كذلك "يقرّر سفر العدد 15: 15 أن هناك *فريضة واحدة* تطبَّق على الوطني (ابن البلد) والغريب المقيم في التشريعات المدنية والدينية".من غابر الأيّام إلى الساعة الحاضرة "تكشف مراجعة مسمَّيات العمليّات العسكريّة عن نمط متكرِّر يقوم على استدعاء الرموز التوراتيّة والدينيّة والتاريخيّة، بما يمنح الفعل العسكريّ بُعداً يتجاوز الميدان نحو بناء سرديّة مُوازية تقوم على القداسة والاصطفاء والمعنى الرمزيّ للحرب". وتُصاغ تلك الأسماء "لتوليد أثر نفسيّ مزدوج: رفع معنويّات الداخل الإسرائيليّ من جهة، وإرباك الخصم من جهة أخرى... ومن هنا، تتحوّل التسمية إلى جزء من بُنية الحرب ذاتها، لا مجرَّد عنوان لها". كلّ ذلك تعزيزاً لفكرة "المظلوميّة" كعنصر مركزيّ في بناء الرواية الإسرائيليّة أمام الرأي العام.2-"ٱلمَجدُ وَٱلكَرامَةُ وَٱلسَّلامُ لِكُلِّ مَن يَصنَعُ ٱلخَيرَ"بهذه الكلمات الجليّة يتوجّه بولس الطرسوسيّ إلى الرومانيّين: "ٱلمَجدُ وَٱلكَرامَةُ وَٱلسَّلامُ لِكُلِّ مَن يَصنَعُ ٱلخَيرَ إِذ لَيسَ عِندَ ٱللهِ مُحاباةُ وُجوه". تلك التحيّة تليق بكلّ إنسان يصنع الخير من كلّ قلبه وبكلّ وعيه وبكلّ قوّته. وحين نقول كلّ إنسان ننطلق من الشخص البشريّ بحدّ ذاته لا من انتسابه العقَديّ أو الإيديُولوجيّ. وصانع الخير يتعامل مع أشباهه بِلَا تمييز عنصُريّ وبعيداً من النفَس الشوڤينيّ أو الطبَقيّ أو الدينيّ لأن لديه نزعةً فطرية للتمييز بين الصواب والخطأ، ويميل بطبعه إلى الشعور بالتعاطف مع الآخرين والتعاون معهم. لكن هل من عناصر أُخرى تعمل فينا لصنع الخير؟صنع الخير "يحفّز مناطق المكافأة في الدماغ، بحيث يفرز هرموناتٍ تمنح الإنسان شعوراً بالرضا والسعادة والسلام الداخلي". كما يُساهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكاً وأمناً، ويعزز الثقة المتبادلة بين الأشخاص. وبحسب ستيڤ تِيلور "لا يقتصر الإيثار دائماً على المصلحة الذاتيّة المقنَّعة. فالإيثار *الخالص* موجود بالفعل". فعندما نهُبّ للمساعَدة نقول"فعلت ما أحسَست أنّه الصواب" أو وجدت أنّها رغبة عفويّة غير انانيّة لتخفيف معاناة شخص ما. غير أنّ بعضاً منّا يرى أنّ صنع الخير يعود علينا بالفائدة مِثل الشعور بالرِضا عن أنفسنا أو جعل الآخَرين يحترموننا أكثر أو أن يردّوا لنا الجميل يوماً، أو حتّى أن نُظهر قدراتنا فنكون أكثر جاذبيّة للجنس الآخَر.3-"وكان يسوع ... يَشفي كُلَّ ضُعفٍ في ٱلشَّعب""وَلِلوَقتِ تَرَكا ٱلسَّفينَةَ وَأَباهُما وَتَبِعاه". بعد استعداده للرسالة الملكوتيّة، قام يسوع الناصريّ بدعوة بعضهم ليكونوا رفاق دربه في نشر "الخبر السارّ" لكلّ البشر:"جئتُ لتكونلهم الحياة بوَفرة"، الأمر الذي يحتِّم المعرفة العميقة بين الرفاق. من هنا ملازَمتهم بعضهم البعض والاستعداد لِما ينتظرهم في قابل الأيّام، والتعاضد والتكامل في ما بينهم.روايات الانجيل تَشي بأن "كان يسوع ... يَشفي كُلَّ ضُعفٍ في ٱلشَّعب" ليصل بهم إلى "الحياة بوَفرة"، إلى الأجوَد الـ(ISO) كيف فعل ذلك؟هل سعى يسوع يوماً إلى السَيطرة على وَعي الناس أَم قوَّاه لدَيهم؟ هل حاول أن يُشوِّه صورة الواقف أمامه لذاته أَم أعطاه منعة ليكون هو؟ هل مجَّد نفسه على حساب الآخَر أَم جاد في سبيل الآخَر؟ هل فرَض لغته-فهمه كلغة أرقى والتحكّم بتعليمه وكتابة التاريخ كمُهيمِن وصناعة نُخَبٍ تابعة له تُمجِّده، أَم كان راقياً في التفاهم مع أشباهه من البشر وتَوعَويّاً في تعليمه وأصيلاً في كتابة تاريخٍ يحترم إنجازات الناس، ولم يطلب مجداً لنفسه؟ هل زرع الدونيّة والخوف منه بتَصويره لا يُهزَم أَم تصرّف بكِبَر وكان وديعاً ومتواضعَ القلب؟من هنا قام الرسل بتقديم شخص خبروه بالعيش معاً والتكافل في كلّ شيء: أقاموا معه وبنّوا علاقة شخصيّة لأنّهم رأوه وسمعوه ولمسوه وعنه أخبروا، "لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا".في المقابل، ما هو موقعنا من المسيح؟ وهل يحول شيء بيننا وبينه؟ وهل يسهل علينا لقاءه والتعرّف إليه وبناء علاقة شخصيّة معه "تَدوم وتَدوم وتَدوم"؟