ثمة اعتقادٌ سائدٌ لدى معظم الأشخاص الذين أعرفهم في صناعة الذكاء الاصطناعي، أنَّ الإنسان العادي محكوم عليه بالفشل، ولا يملكون أدنى فكرة عمّا يتعيَّن فعله حيال ذلك. من جهتي، أعيش في سان فرانسيسكو، وسط باحثين شباب يتقاضون رواتب بملايين الدولارات، ومؤسسي شركات ناشئة، يتنافسون لبناء الكيان العملاق التالي على صعيد الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت الذي لطالما حذّر مسؤولو «وادي السيليكون» من مخاطر الذكاء الاصطناعي المنفلت، استيقظوا حديثاً على كابوس أكثر بساطة: كابوس يفقد فيه كثير من الناس العاديين قدرتهم الاقتصادية، مع اختفاء وظائفهم لصالح الأتمتة.
وسواء تحدثت مع مهندسين أو مستثمرين أو مؤسسين أو مديرين، أو مع المتشائمين أو أنصار تسريع وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي أو اليساريين أو الليبراليين، ستجد نفسك أمام ما أطلق عليه «إجماع سان فرانسيسكو» حول تأثير الذكاء الاصطناعي على العمال، الذي يتسم بقتامته الشديدة. ثمة قناعة لدى كثيرين بأن الذكاء الاصطناعي المتقدم سيتجاوز قريباً قدرات البشر.
قد يؤدي ذلك إلى نمو هائل وإنجازات علمية كبرى، لكنه سيؤدي كذلك إلى تلاشي ملايين الوظائف؛ إذ سيحتاج الاقتصاد إلى عدد أقل من البشر لتسييره. كما ستؤدي هذه التكنولوجيا إلى تقليص الحراك الاقتصادي وتفاقم غياب المساواة، مع نقل السلطة والثروة إلى شركات الذكاء الاصطناعي، وأصحاب رأس المال الحاليين.
في الواقع، هذا الإحساس المسبق بالخطر ليس سراً، وإنما نعاينه في تصريحات علنية للرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، حول مجزرة وظائف الياقات البيضاء، وكذلك في محادثات تجري عبر تطبيق «سيغنال»، يتباهى خلالها مسؤولون تنفيذيون في شركات تكنولوجية بالأدوار التي يخططون لأتمتتها.
وكذلك يمكنك أن تستشعر هذا الخطر في قلق خريجي الجامعات الجدد، الذين يتقدمون إلى مئات الوظائف دون الحصول على فرصة إجراء مقابلة واحدة. وتسمعه في الدعابات السوداء لمهندسي البرمجيات، الذين يمزحون بشأن الاستعاضة عنهم بأنظمة مثل «كلود كود».
وبلغ الأمر حد اعتقاد البعض أن الذكاء الاصطناعي العام ربما يخلق طبقة دنيا دائمة. يذكر أنه داخل الولايات المتحدة، اكتسب مصطلح «الطبقة الدنيا» رواجاً في ستينيات القرن الماضي، لوصف عمال المصانع، الذين تخلفوا عن الركب جراء موجة الأتمتة بعد الحرب.
اليوم، عاد المصطلح للانتشار باعتباره وصفاً رائجاً لفكرة أنَّ لدى الناس نافذة زمنية محدودة لبناء الثروة، قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي والروبوتات متقدمين بما يكفي لأن يحلوا محل العمل البشري بالكامل. عند تلك النقطة، سنُجمّد في مواقعنا الطبقية الحالية: سيتمكن الأثرياء من توظيف آلات فائقة الذكاء لتنفيذ رغباتهم، بينما سيُصبح الآخرون دون جدوى وغير قابلين للتوظيف، يعيشون على فتات الإعانات.
هل هذا مبالغ فيه؟ ربما. إلا أنه حتى أولئك الذين يرون فكرة «الطبقة الدنيا الدائمة» مبالغاً فيها، يخبرونني أن هذه الفكرة لا تخلو من حقيقة. من جهته، أوجز ياش كادادي، 23 عاماً، مؤسس شركة ناشئة، الذي تخلى عن استكمال دراسته بجامعة ستانفورد، شعور أقرانه بقوله: «المسألة مجرد وقت قبل أن يظهر (جي بي تي ـ 7)، ويقضي على كل البرمجيات، بحيث لن يعود بإمكانك بناء شركة برمجيات. أو أن تصدر النسخة الأفضل من روبوت (تسلا أوبتيموس)، ليتمكن من أداء كل الأعمال البدنية كذلك. في خضم مثل هذا العالم، يبرز العام الحالي بمثابة (الفرصة الأخيرة للبشر ليكونوا جزءاً من الابتكار)».
لا يتوقع معظم الاقتصاديين وخبراء الذكاء الاصطناعي هذا السيناريو، لكن استمرار فكرة الطبقة الدنيا الدائمة يجب أن يثير قلقنا جميعاً. أولاً: لأنه يُشير إلى حجم الأضرار الجانبية غير المقصودة التي ستتكبدها شركات الذكاء الاصطناعي في طريقها نحو إقرار الذكاء الاصطناعي العام. ثانياً: لأنه بدلاً من انتظار التأثير، علينا التفكير بجدية - الآن - في كيفية دعم العمال في مواجهة الاضطرابات التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي.
إذا تُرك «وادي السيليكون» وشأنه، فقد يفرز طبقة دنيا دائمة من خلال منطق السوق الخاص به. إذا كنت تعتقد أن الذكاء الاصطناعي الذي يحل محل الإنسان أمر لا مفر منه، فعلى كل شركة أن تتسابق لتكون الشركة التي تُطوره.
جدير بالذكر أن نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة يجري تقييمها، تبعاً لأدائها في مجموعة من المعايير - في الأساس اختبارات موحدة للنموذج. وتُركز هذه التقييمات، بشكل متزايد، على الفائدة الاقتصادية في العالم الحقيقي، ما يعني أن المطورين يهدفون بشكل مباشر إلى الاستعاضة عن القدرات البشرية.
ويقيس مؤشر الإنتاجية المرتبط بالذكاء الاصطناعي، أداء النماذج في أربع وظائف: مساعد مصرفي استثماري، ومستشار إداري، ومحامٍ في شركة محاماة كبرى، وطبيب رعاية أولية. وقد أرست شركة «أوبن إيه آي» معيار «جي دي بي فال»، الذي يُقيّم 44 مهنة، من سمسار عقارات إلى محلل أخبار. وتعكس هذه المقاييس مدى تقدم الذكاء الاصطناعي، كما تُوجه الباحثين الساعين إلى تحقيق أعلى الدرجات.
في هذا الإطار، قالت تيجال باتواردهان، رئيسة قسم تقييمات النماذج الرائدة في «أوبن إيه آي»: «عندما أطلقنا (جي دي بي فال) لأول مرة، قبل بضعة أشهر فقط، لم يكن أي من النماذج يُضاهي الخبراء البشريين. وبعد أشهر، تجاوزت نسبة نجاحنا 80 في المائة مقارنةً بالمتخصصين البشريين».
اليوم، يُسرّع المسؤولون التنفيذيون في الشركات من وتيرة تسريح الموظفين، بينما يُبطئون التوظيف، خشية أن تتخلف شركاتهم عن الركب. على سبيل المثال، بعد تسريح ما يقارب نصف موظفي شركته في مارس (آذار)، صرّح جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة «بلوك»، في تصريحات لمجلة «وايرد»، بأنّ برامج الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبوس 4.6»، من «أنثروبيك»، و«كوديكس 5.3»، من «أوبن إيه آي»، «تُتيح خياراً لتغيير هيكل أي شركة بشكل جذري، وبالتأكيد شركتنا». وجاءت استجابة المستثمرين بارتفاع سعر السهم بنسبة 25 في المائة في التداولات المسائية.
اللافت أنه في بعض الأحيان، تحدث عمليات التسريح حتى قبل أن يعرف المسؤولون التنفيذيون كيف أو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحلّ محلّ هذه الوظائف. وهنا، أوضحت زوي هيتزيغ، الخبيرة الاقتصادية التي سبق لها العمل لدى «أوبن إيه آي»: «عندما يُعلن الرؤساء التنفيذيون عن تقليص الوظائف، بسبب الذكاء الاصطناعي، يشعر الآخرون بأنهم مُضطرون إلى اتخاذ الخطوة ذاتها. وبإمكان هذه الديناميكية أن تُسرّع من حدوث التغييرات على نحو لا تقتضيه الكفاءة».
من ناحيتهم، يسعى العاملون بمجال التكنولوجيا جاهدين، للحصول على وظائف مربحة في مجال الذكاء الاصطناعي، أملاً في تحقيق الاستقلال المالي ـ حتى وإن كانت تساورهم مخاوف أخلاقية. في هذا الصدد، عبّر ستيفن أدلر، الموظف السابق في فريق السلامة بشركة «أوبن إيه آي»، والذي يكتب الآن مدونة على منصة «سبستاك» حول سياسات الذكاء الاصطناعي، عن اعتقاده بأنه: «يشعر الناس بأن فرص كسب المال في المستقبل محدودة. وحتى لو شعر البعض بأنه من غير المقبول جني المال من تطوير تكنولوجيا قد تودي بحياة الجميع، فإن كثيرين يظلون مجرد تروس في آلة».