هل يخرج العملاق الاقتصادي الكندي من القمقم الأميركي؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

اعتاد الرأي العام النظر إلى كندا باعتبارها دولة مرتبطة سياسياً واقتصادياً بالولايات المتحدة. لكن الضغوط الأميركية دفعت أوتاوا إلى رفع نبرة خطابها والتأكيد أن العلاقة بين البلدين لا يمكن أن تقوم على الإملاء من طرف واحد. والسؤال الأهم: هل تستطيع كندا أن تتحول من دولة غنية بالموارد، شديدة الاعتماد على السوق الأميركية، إلى قوة اقتصادية قادرة على فرض خياراتها والدخول في علاقة ندية مع جارتها الكبرى؟

المسألة ليست فك العلاقات مع الولايات المتحدة، فهذا تحكمه الجغرافيا والمصالح المشتركة. فالولايات المتحدة ستبقى الجار والشريك التجاري الأكبر. لكن الجغرافيا التي تفرض القرب لا تفرض التبعية. والسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع كندا تحويل ثروتها الطبيعية الهائلة إلى قوة إنتاجية تتناسب مع حجمها، وتحويل مواردها إلى قيمة مضافة وأسواقها إلى شبكة عالمية أوسع؟

1. ثروة هائلة وقوة إنتاجية غير مستثمرة بالكامل

تمتلك كندا ثروة طبيعية استثنائية: النفط والغاز واليورانيوم والبوتاس والمعادن الحرجة، إضافة إلى الغابات والأراضي الزراعية والمياه والطاقة الكهرومائية، إذ تملك كندا 20% من مخزون المياه العذبة في العالم وتضم أكثر من مليوني بحيرة. كما تنتج أكثر من 60 معدناً، بينها 21 من أصل 50 معدناً تصنفها الولايات المتحدة معادن حرجة.

لكن امتلاك المورد ليس امتلاك القوة الاقتصادية الكاملة. فالقوة تبدأ عندما يتحول المورد إلى إنتاج ومعالجة وتصنيع وتكنولوجيا ومنتج ذي قيمة مضافة. وهنا تكمن المسألة الكندية الأساسية: الانتقال من اقتصاد يستخرج الثروة ويصدرها إلى اقتصاد يستخرج ويعالج ويصنع ويبتكر ويصدر.

العلاقة الاقتصادية بين البلدين ليست علاقة بائع ومشترٍ فقط، بل شبكة إنتاج متداخلة. فكندا تزود الولايات المتحدة بنحو 60 في المئة من وارداتها من النفط الخام، وأكثر من 99 في المئة من الغاز الطبيعي، ونحو 85 في المئة من وارداتها من الكهرباء، إضافة إلى اليورانيوم والمعادن والأسمدة، وحوالى 90% من حاجات المزارعين الأميركيين من البوتاس.

كندا لا تصدر إلى أميركا ما تستهلكه فقط؛ إنها تصدر إليها أيضاً ما تنتج أميركا به.

إذا كانت كندا تريد أن تصبح قوة اقتصادية أكبر، فإن التحدي ليس اكتشاف موارد جديدة فقط، بل رفع نسبة القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الكندي.

فالمطلوب الانتقال من تصدير المادة الخام إلى معالجة المعادن وتصنيعها، ومن تصدير الطاقة إلى تصنيع المنتجات التي تقوم عليها، ومن تصدير الموارد الزراعية إلى توسيع الصناعات الغذائية، ومن امتلاك التكنولوجيا إلى تحويلها إلى منتجات وشركات وسلاسل إنتاج. وتظهر أهمية ذلك في المعادن الحرجة، حيث تسعى كندا إلى تطوير التعدين والمعالجة وبناء سلاسل إمداد أكثر تكاملاً. إنها عملية انتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الموارد المصنّعة.

لكن قوة الإنتاج لا تتوقف عند الحدود الخارجية. فالحواجز التنظيمية والاختلافات بين المقاطعات تجعل السوق الوطنية أقل تكاملاً مما ينبغي. لذلك فإن قرار إزالة الحواجز أمام انتقال السلع والخدمات والاستثمارات والعمالة بين المقاطعات الكندية ليس مجرد إصلاح إداري، بل تحرير لقوة اقتصادية موجودة داخل الجغرافيا الكندية نفسها.

فالسوق الكندية الموحدة تسمح للشركات بتحقيق وفورات الحجم وجذب الاستثمارات وبناء سلاسل توريد وطنية قادرة على المنافسة وامتصاص نسبة مهمة من الرسوم الأميركية المفروضة على كندا.

تملك الدولة الكندية قاعدة مالية يمكن أن تسند هذا التحول. فقد بلغت الأصول المالية الفدرالية نحو 789 مليار دولار في السنة المالية 2024-2025، فيما بلغ الدين الفدرالي نحو 1.27 تريليون دولار، أي 41.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما يبقى الدين الحكومي الإجمالي لكندا، وفق المقاييس المقارنة، أقل بكثير من دين الولايات المتحدة.

لا يعني ذلك أن كندا تملك موارد مالية بلا حدود، وإنما لديها قدرة على تعبئة رأس المال العام والخاص لتمويل البنية التحتية والطاقة والمعادن والتكنولوجيا والدفاع، وهي قاعدة أساسية لمشروع "كندا القوية".

6. الهجرة وسوق العمل والسكن: من الرقم الديموغرافي إلى القدرة الإنتاجية

يبقى نقص اليد العاملة المتخصصة عائقاً أمام الانتقال من استخراج الموارد إلى تحويلها وتصنيعها والتوسع في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا. ولهذا أصبحت الهجرة الاقتصادية مرتبطة بصورة أوضح بحاجات سوق العمل، من خلال معايير المهارات والمهن والمناطق التي تعاني نقصاً في اليد العاملة.

الهجرة ليست رقماً ديموغرافياً يضاف إلى السكان، بل قدرة إنتاجية تضاف إلى الاقتصاد في عملية التنمية المستدامة؛ فالمشروع الصناعي يحتاج إلى المهندس والتقني والباحث والحرفي والمبرمج والعامل المتخصص. وفي ظل أزمة السكن الحادة في كندا والحاجة إلى مضاعفة وتيرة الإنشاءات، تولي البرامج الفدرالية، بالتعاون مع المقاطعات، أهمية استثنائية متزايدة لقطاع البناء، بهدف رفع مستوى مهارات اليد العاملة وجذب المزيد منها إلى هذا القطاع.

7. الطاقة والهيدروجين: قوة تتجاوز النفط والغاز

تمتلك كندا منظومة طاقة تجمع النفط والغاز والكهرباء الكهرومائية والطاقة النووية وإمكانات الرياح والطاقة النظيفة. ولا يعني التحول الطاقوي التخلي الفوري عن النفط والغاز، بل الاستفادة من موارد المرحلة الحالية مع توسيع مصادر الطاقة الجديدة.

وفي قلب هذا التحول يأتي الهيدروجين. فقد بنت كندا مع ألمانيا مساراً استراتيجياً للتعاون في الهيدروجين ومشتقاته، بما يفتح ممراً عبر الأطلسي يربط الإنتاج الكندي بالسوق الألمانية والأوروبية.

وهنا لا يكون الهيدروجين مجرد مصدر جديد للطاقة، بل بداية سلسلة صناعيةتمتد من المياه والطاقة النظيفة إلى الهيدروجين والأمونيا والأسمدة والصناعة الثقيلة والمنتجات منخفضة الكربون. وهكذا تستطيع كندا الانتقال تدريجياً من تصدير الطاقة إلى تصدير الطاقة والمنتجات الصناعية التي تقوم عليها.

8. التكنولوجيا والدفاع والقطب الشمالي: تحويل المعرفة إلى صناعة

لا يمكن أن تقوم كندا القوية على الموارد وحدها. فالمورد يتحول إلى قوة استراتيجية عندما يرتبط بالعلم والتكنولوجيا. وتمتلك كندا قاعدة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والبيانات والبحث العلمي، فيما يكمن التحدي في تحويل هذه المعرفة إلى شركات ومنتجات وسلاسل إنتاج تنافس عالمياً.

وينطبق الأمر نفسه على الصناعة الدفاعية، من الطيران، وفي مقدمته بومباردييه، مفخرة صناعة الطيران الكندية، التي تواجه ضغوطاً أميركية، إلى الفضاء والأقمار الصناعية والسفن وأنظمة الاتصالات والاستشعار والأمن السيبراني والأنظمة غير المأهولة. وهذه قطاعات تجمع بين الأمن الوطني وبناء قدرة صناعية وتكنولوجية عالية القيمة، وتكتسب أهمية خاصة في مواجهة التحديات الجيو-استراتيجية والجيو-عسكرية المتصاعدة في القطب الشمالي، الذي يختزن موارد باطنية هائلة، فيما لا تزال أجزاء واسعة من موارده ومجالاته الاستراتيجية موضع تنافس بين الدول المشاطئة له، ما يجعله قبلةً للصراع الجيو-استراتيجي بين الدول الكبرى.

9. المشاريع الاستراتيجية: تحويل الإمكانات إلى قوة