هل يختصر «التنين الصيني» طريق مصر لتصدير السيارات؟

مع تسارع الاستثمارات الصينية فى قطاع السيارات، وإعلان عدد من الشركات عن إنشاء مصانع وخطوط إنتاج جديدة فى مصر، عاد إلى الواجهة سؤال يطرحه العاملون بالقطاع: هل تمتلك القاهرة فرصة لتكرار التجربة التركية فى بناء صناعة سيارات قائمة على التصنيع والتصدير؟.

هذا التساؤل دفع «البورصة» إلى إجراء مقارنة بين النموذجين المصرى والتركي، فى ضوء التحولات التى تشهدها صناعة السيارات عالميًا، وصعود الشركات الصينية كلاعب رئيسى فى إعادة توزيع قواعد الإنتاج خارج الصين.

وبينما استغرقت تركيا أكثر من عقدين لبناء واحدة من أكبر قواعد تصنيع السيارات فى أوروبا، تراهن مصر على اختصار جزء من هذه الرحلة عبر موجة استثمارات صينية متسارعة، مدعومة بموقعها الجغرافى واتفاقيات التجارة الحرة والحوافز الاستثمارية.

ويعكس انتشار العلامات التجارية الصينية حجم هذا التحول؛ إذ يضم السوق المصرى حاليًا نحو 21 علامة صينية، مقابل 35 علامة من جنسيات أخرى، تشمل 14 علامة أوروبية، و7 يابانية، و5 أمريكية، و4 كورية، بما يؤكد تنامى الحضور الصينى خلال السنوات الأخيرة.

كما شهد السوق دخول علامات جديدة، من بينها «إيتو»، و«زيكر»، و«سوإيست»، و«كايي»، و«روكس»، و«أفاتار»، و«فورثينج»، و«دونج فينج»، و«إم هيرو»، و«فويا»، و«أركفوكس»، مستفيدة من ارتفاع الطلب على السيارات التى تجمع بين التقنيات الحديثة والأسعار التنافسية.

ولا يقتصر الحضور الصينى على النشاط التجاري، بل يمتد إلى الاستثمار الصناعى المباشر؛ إذ جاءت مصر فى المرتبة الرابعة إقليميًا من حيث مشروعات السيارات الممولة برؤوس أموال صينية، بعدما استحوذت تلك الاستثمارات على نحو 19% من إجمالى مشروعات القطاع خلال الفترة بين عامى 2023 و2025.

وتوقعت مؤسسة «فيتش سوليوشنز» أن تستحوذ الشركات الصينية العاملة فى مصر على نحو 59% من إجمالى إنتاج السيارات المحلى بحلول عام 2030، بإنتاج يقترب من 100 ألف سيارة سنويًا، من إجمالى إنتاج مستهدف يبلغ نحو 170 ألف وحدة.

وبحسب تقديرات المؤسسة، تتصدر «سايك» الشركات المرشحة لقيادة الإنتاج بطاقة تبلغ 50 ألف سيارة سنويًا، تليها «جيلي» بنحو 30 ألف سيارة، ثم «بايك» بطاقة 20 ألف وحدة، فيما يُتوقع أن يبلغ إنتاج «نيسان» نحو 30 ألف سيارة، بينما يستهدف تحالف «بروتون – عز السويدي» وشركة «النصر للسيارات» إنتاج 20 ألف سيارة لكل منهما.

وترى المؤسسة أن هذه الاستثمارات تتجاوز استهداف السوق المحلية، إذ ترتبط بإعادة توزيع قواعد الإنتاج العالمية، بما يمنح مصر فرصة لتعزيز موقعها كمركز إقليمى للتصنيع وإعادة التصدير، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التى تتيح النفاذ إلى أسواق تضم أكثر من أربعة مليارات مستهلك، فضلًا عن موقعها الجغرافى المتميز بالقرب من أهم الممرات البحرية العالمية، وفى مقدمتها قناة السويس.

وتعد تركيا واحدة من أبرز قصص النجاح فى صناعة السيارات؛ إذ نجحت منذ مطلع الألفية فى استقطاب استثمارات أوروبية ويابانية تجاوزت 18 مليار دولار، لترفع إنتاجها إلى أكثر من 1.1 مليون سيارة سنويًا، وتحتل المرتبة الثالثة أوروبيًا والثانية عشرة عالميًا.

ولم يقتصر نجاح التجربة التركية على زيادة عدد المصانع، وإنما اعتمد على بناء منظومة صناعية متكاملة تضم أكثر من 250 موردًا عالميًا، بينهم 30 شركة ضمن أكبر 100 مورد لقطاع السيارات عالميًا، وهو ما ساهم فى رفع نسب المكون المحلى وخفض تكلفة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات.

وتعكس مؤشرات التجارة الخارجية هذا التطور؛ إذ بلغت صادرات تركيا من السيارات والصناعات المغذية نحو 33.7 مليار دولار خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من عام 2025، فيما سجلت صادرات مكونات السيارات وحدها نحو 7.6 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025.

ورغم تشابه الهدف النهائى بين التجربتين المصرية والتركية، فإن مسار كل منهما يختلف بصورة واضحة؛ فبينما اعتمدت تركيا على استثمارات أوروبية ويابانية استهدفت السوق الأوروبية، تراهن مصر على الاستثمارات الصينية التى تستهدف إلى جانب السوق المحلية أسواق أفريقيا والدول العربية، إضافة إلى بعض أسواق أمريكا اللاتينية، مستفيدة من شبكة الاتفاقيات التجارية التى ترتبط بها القاهرة.

كما تختلف طبيعة التكنولوجيا المستهدفة؛ ففى الوقت الذى بدأت فيه تركيا بصناعة سيارات الاحتراق الداخلى قبل التوسع تدريجيًا فى المركبات الكهربائية، تتجه الاستثمارات الجديدة فى مصر منذ البداية إلى السيارات الكهربائية والهجينة، بما يتماشى مع التحولات العالمية فى قطاع النقل، حسبما قال خبراء القطاع لـ “البورصة”.

قال مصطفى إبراهيم، نائب رئيس مجلس الأعمال المصرى الصيني، إن قطاع السيارات أصبح من أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات الصينية خلال الفترة الأخيرة، متوقعًا استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى السوق المصرية مع توسع الشركات الصينية فى إنشاء قواعد إنتاج خارجية.

وأضاف لـ«البورصة» أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها للتحول إلى مركز إقليمى لصناعة السيارات، فى ظل موقعها الجغرافي، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، وتوافر قاعدة صناعية يمكن البناء عليها لتعميق التصنيع المحلى وزيادة القيمة المضافة.

وأوضح أن صناعة السيارات لا تعتمد على خطوط التجميع، وإنما ترتبط بمنظومة واسعة من الصناعات المغذية تشمل الزجاج والإطارات والجلود والمقاعد وضفائر الكهرباء والمكونات المعدنية والبلاستيكية، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات المحلية للتوسع فى التصنيع ورفع نسب المكون المحلي.

وأشار إلى أن انخفاض تكاليف التشغيل والطاقة، إلى جانب المزايا التى توفرها المناطق الحرة، عزز جاذبية السوق المصرية أمام المستثمرين، لافتًا إلى أن عددًا من الشركات التركية بدأ بالفعل نقل جزء من عملياته الصناعية إلى مصر للاستفادة من هذه المزايا وتحسين قدرته التنافسية.

وقال منتصر زيتون، عضو الشعبة العامة للسيارات بالغرفة التجارية، إن الاستراتيجية الوطنية لصناعة السيارات تتقاطع فى عدد من محاورها مع التجربة التركية، خاصة فيما يتعلق بربط الحوافز الاستثمارية بزيادة نسب المكون المحلي، والتوسع التدريجى فى الصناعات المغذية.

وأضاف أن السوق شهدت خلال العامين الماضيين دخول عدد من خطوط الإنتاج والتجميع الجديدة، مستفيدة من الحوافز الحكومية الموجهة لقطاع السيارات، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب خفض تكلفة الإنتاج عبر إعادة النظر فى الرسوم المفروضة على بعض مستلزمات الإنتاج، بما يعزز تنافسية الصناعة المصرية.

وأوضح أن نجاح أى صناعة سيارات لا يقاس بعدد المصانع فقط، وإنما بقدرتها على خلق شبكة قوية من الموردين المحليين، بما يسمح برفع القيمة المضافة وتقليل الاعتماد على الواردات.

ومن جانبه، قال عمرو أبو فريخة، العضو المنتدب لشركة طنطا موتورز، إن التجربة التركية أثبتت أن الوصول إلى أحجام إنتاج اقتصادية يمثل أحد أهم عوامل نجاح صناعة السيارات، إذ يؤدى ارتفاع الإنتاج إلى خفض التكلفة وتحسين القدرة التنافسية فى الأسواق الخارجية.

وأضاف أن السوق المصرية تمتلك فرصة لتحقيق هذا الهدف من خلال الجمع بين الطلب المحلى والتوسع فى التصدير إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، مستفيدة من الموقع الجغرافى واتفاقيات التجارة الحرة.