اعتاد الناس خلال العقود الأخيرة ، النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أحد أسباب ابتعادهم عن العالم وعن بعضهم . فالهواتف الذكية والتطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي صُممت لجذب الانتباه واستنزاف الوقت، حتى أصبح العمل يمتد إلى المنزل، فيما تحولت متابعة الرسائل والمنشورات إلى عادة يومية لا تتوقف.ولم تقتصر آثار هذا الانفصال الرقمي على الإدمان والمعلومات المضللة والاستقطاب، بل امتدت إلى فقدان كثير من التفاصيل الصغيرة التي كانت تربط الإنسان بالعالم المادي من حوله.تتجسد المشكلة فيما يمكن تسميته «نزع المادية» من الحياة اليومية. فبدلاً من لمس الورق وسحب المناديل أو الاحتفاظ بتذاكر الحفلات في اليد، تحل أجهزة الاستشعار ورموز الاستجابة السريعة محل هذه التجارب الحسية البسيطة. وقد تبدو تلك الأفعال هامشية، لكنها تمنح الحياة اليومية قدراً من المتعة والرضا لا توفره الشاشة.ويبدو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي مرشح لتعميق هذا الاتجاه، بعدما بات قادراً على كتابة الرسائل والتخطيط للرحلات وإعداد قوائم الهدايا وإنجاز مهام كانت تتطلب وقتاً وجهداً بشرياً. غير أن المفارقة تكمن في قدرته على تقديم الاتجاه المعاكس أيضاً.فنماذج الذكاء الاصطناعي يمكنها مساعدة المستخدم في التعامل مع مشكلات واقعية، من إصلاح تسرب المياه وصيانة السيارة إلى تعلم هواية جديدة. كما تستطيع، عبر تحليل صورة لقطعة معطلة مثلاً، تحديد نوعها وأجزائها وخطوات إصلاحها، وتوجيه المستخدم إلى الأدلة والقطع المناسبة، بدلاً من دفعه إلى ساعات من البحـــث والتصفــح.هنا تكمن إحدى الفرص الأقل تناولاً للذكاء الاصطناعي: أن يصبح أداة تعيد الإنسان إلى العالم بدلاً من إبقائه أسير الشاشة. فإذا استُخدم بكفاءة ولفترات قصيرة، يمكنه اختصار البحث والمعلومات، ثم دفع المستخدم إلى ممارسة النشاط الفعلي، والتفاعل مع الآخرين، واستعادة علاقته الحسية بالمكان والأشياء.