هل يجرؤ السوريون على الحياد الدائم؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

الدول، كالمرضى، لا تُشفى على طاولة الورثة المتدخلين، بل تُشفى حين يعود الدم إلى أطرافها من قلبها ذاته! فمن يقف على الشرفة في دمشق، ليعلن بملء فمه وبلغة فيغل: "سوريا ليست لأحد!"؟

في 15 أيار/ مايو 1955، أعلن وزير الخارجية النمسوي ليوبولد فيغل، في القاعة الرخامية لقصر البلفيدير في فيينا، "النمسا حرة!" لتحفر هاتان الكلمتان في الذاكرة الوطنية للبلاد، ثم رفع نص "معاهدة الدولة" من على شرفة القصر أمام الحشود.لعشر سنوات بقيت النمسا مجزأة بين أربع مناطق احتلال، وقسمت عاصمتها فيينا الى أربعة قطاعات، تجوبها دوريات في سيارات الجيب يحتشد فيها جنود: أميركيون وبريطانيون وفرنسيون وسوفيات. ذلك أن أياً من المحتلين لم يكن يرغب في ترك النمسا لخصومه الألداء. فالانسحاب المنفرد هدية للمنافس، لكن البقاء استنزاف بلا أفق. تلك هي، بحرفيتها تقريباً، معادلة سوريا اليوم.ذلك أن سوريا، كما كتبت مراراً، لم تعد مجرد دولة تنهار، ولا دولة تترك لشأن أهلها لتتعافى، بل تترك محفوظة في ثلاجة إلى أن تتم تصفية صراعات الإقليم: يُبقيها الورثة الخارجيون على قيد الحياة لأن موتها يربك حساباتهم، لكنهم يُبقونها عليلة إذ يهدد شفاؤها باسترداد ما انتزعوه من جسدها.تريد أنقرة عمقاً أمنياً في الشمال، وتل أبيب جنوباً منزوع القدرة، وعواصم الخليج مشرقاً مستقراً ومزدهراً بعيداً من طهران، وتجد فيها موسكو موطئ قدم رخيصاً على المتوسط، وتجد فيها واشنطن منصة إقليمية تستخدمها ضد خصومها من دون أن تستهلك جنودها وقدراتها. أما طهران فإنها لن تختفي، بل تنتظر عند الباب.لكل وريث خارجي زبون في الداخل، يموّله: تيار، أو شبكة، أو فصيل، أو مكون سوري يخشى على وجوده. النتيجة أن الدواء الذي تعرضه القوى المتدخلة ليس إلا من جنس الداء ذاته. فهل من مخرج غير الموت أو الوصاية؟يقترح التاريخ جواباً ثالثاً نادراً ما يُطرح في النقاش السوري: الحياد التام والدائم.ليس المطلوب حياد الضعيف الذي يفرض بالتوافقات الخارجية، بل حياد الدولة التي تقرر بوعي أهلها أن تغادر الرقعة التي يلعب عليها الآخرون، لتعلن أنها ليس بيدقاً في لعبة أحد.في شباط/ فبراير 1934، خاض الإشتراكيون الديموقراطيون والمحافظون المسيحيون حرباً أهلية دامية في شوارع فيينا. لكنهم، بعد خروج كثيرين منهم من السجون النازية، سرعان ما أعلنوا عقدهم الاجتماعي الجامع بوثقية "روح طريق المعسكر"، ليشهروا فيها ائتلافاً وطنياً واسعاً، تقاسموا فيه الدولة بدل أن يتقاتلوا عليها!وبذلك سبقت المصالحة في الداخل الحياد في الخارج. ولولاها، لوجد كل محتل في فيينا حزباً أو مكوناً يستدعيه.لم تنل النمسا استقلالها لأن المحتلين رئفوا بحالها. لم يكن خروتشوف يطمح إلى نمسا شيوعية بقدر ما كان يخشى من نمسا أطلسية تصل ألمانيا الغربية بإيطاليا وتقطع خاصرة الكتلة الشرقية. ولم يطمح الغرب لأكثر من خروج الجيش الأحمر من قلب أوروبا.كان الحياد، هنا، قراراً وطنياً نمسوياً أسس لتوازن القوى الإقليمية: كل طرف خسر ورقة النمسا، لكنه ربح يقيناً بأن خصمه لن يربحها.في "مذكرة موسكو" - نيسان/أبريل 1955 تعهد الوفد النمسوي، حياد النمسا لكن سرعان ما أقره البرلمان في تشرين الأول/ أكتوبر، على التوازي مع عقد اجتماعي وطني جامع.لم يُفرض الحياد على النمسويين، بل أعلنوه في ما بينهم أولاً وبإرادتهم، وفرضوه على العالم. ليصير ذلك موعد عيدهم الوطني.ثم سرعان ما بدأت النمسا تحصد مكاسب حيادها: استضافت فيينا الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة أوبك، ثم مقرّاً ثالثاً للأمم المتحدة بعد نيويورك وجنيف، وتحوّلت، في عهد برونو كرايسكي، إلى وسيط يطرق أبوابه الشرق والغرب معاً.لم يكن الحياد عزلة، بل رأسمالاً ديبلوماسياً واقتصادياً يُستثمر. وهذا تحديداً ما تحتاجه سوريا التي يخنقها غياب الثقة: أن يصبح موقعها الجغرافي، الذي جلب إليها الجيوش، مورداً يجلب إليها الاستثمار.لم تكن سيرة سويسرا مختلفة! كانت سويسرا ساحة لحروب غيرها. حيث تقاتلت 1799، جيوش فرنسا والنمسا وروسيا على أرضها، وعبر الجنرال الروسي سوفوروف ممراتها الألبية الوعرة ليطارد الجيوش الفرنسية. في نهاية الأمر اعترفت القوى الأوروبية، -باريس 1815، بحيادها الدائم. فسويسرا المحايدة أرخص للجميع من سويسرا التابعة المفتوحة فضاءً للصراع.الدرس السويسري الأعمق هو الدرس الداخلي: بلدٌ بأربع لغات ومذهبين، خاض حرباً أهلية وحشية 1848، لكنه بعد عام واحد أنتج دستوراً اتحادياً جعل التنوع عقداً وطنياً لا ذريعة.لكن التاريخ يذكرنا بأن الحياد الذي لا يدعمه توافق وطني وسلم الأهلي سرعان ما ينهار كما في لاوس ولبنان. بل لم يستأذن حزب الله أحداً أن يذهب الى سوريا ليصبح الحياد ذريعة ومقدمة وغطاءً للحروب المقبلة.كي لا يكون الحياد قصاصة ورق!