قالت دار الإفتاء المصرية، إنه بعد الرجوع للمتخصصين في الطب النفسي يتضح أن الأمراض النفسية تتفاوت في الشدة والضعف، وتختلف من شخص إلى آخر، ومنها ما يصعب التعايش معه لكونه يؤثر في مقصود الزواج أو يضر بالحقوق الزوجية، ومنها ما يمكن التعايش معه بلا إخلال بمقصود الزواج أو إضرار بها.
وأوضحت " الإفتاء " في إجابتها عن سؤال: مدى وجوب إخبار من يتعالج من مرض نفسي مخطوبته بذلك ، يعاني صديق لي من مرض نفسي يحتاج إلى المتابعة مع الطبيب النفسي والعلاج؛ فهل يجب على مَن يُعَالج من مرض نفسي أن يخبر مخطوبته بذلك؟، أن لمَّا كان صديق السائل مريضًا بمرض نفسي كما ذُكِر بالسؤال؛ فإنه يجب عليه في هذه الحالة الرجوع إلى الطبيب المختص كي يحدد له حقيقة كون مرضه مؤثرًا فيلزمه إخبار الطرف الآخر به، أو غير مؤثر فلا يلزمه حينئذٍ الإخبار به.
وأضافت أنه اهتم الإسلام بعقد الزواج اهتمامًا بالغًا، وشرعَ لأجل انعقاده وضمان استقراره في ظلّ رضا طرفيه وسعادتهما عددًا من الأحكام الفقهية والقواعد المرعية، والتي منها: مراعاة حقوق طرفي عقد النكاح؛ سواء قبل انعقاده أو حال قيامه؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة: 228].
وأفادت بأن من الحقوق الثابتة التي كفلها الشرع الشريف لطرفي عقد الزواج قبل انعقاده: تحقق الرضا بينهما على ما به تقوم حياتهما وتستقر أسرتهما؛ وذلك ببيان ما قد يحُولُ دون ذلك من عيوب في الخاطب أو المخطوبة.
واستشهدت بما أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أنها جاءت النبيَّ صلي الله عليه وآله وسلم تسأله: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ رضي الله عنهما خَطَبَاهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ».
وبينت أنه دلَّ الحديث على مشروعية إعلام المخطوبة بما في الخاطب من عيب ولو لم يكن مؤثرًا على مقصود الزواج؛ إما لتخييرها بين القبول به والرفض أو لأجل أن تحترز منه، وتعمل على تفاديه حال انعقاد العقد.
وتابعت: لَمَّا كان المرض في عمومه ممَّا يحتاج إلى عناية خاصة، ورعاية مقصودة مِن المريض وأسرته؛ فقد فرَّق الفقهاء في اعتبار الأمراض مِن العيوب التي يفسخ بها الزواج ويلزم الخاطبَ الإخبارُ بها قبل العقد بين أمراض تخلّ بمقصود العقد أو تضرّ بالزوجة فيلزم الخاطب الإخبار بها قبل العقد ويحقّ للزوجة طلب الفسخ بها بعده، وأمراض لا تخلّ بمقصود الزواج ولا تضرّ بالزوجة فلا يلزم الإخبار بها ولا تستحق بها الزوجة الفسخ.
واستطردت: بينما اقتصرت نصوص الفقهاء على تحديد أنواع من الأمراض الجسدية أو العقلية المسوغة لطلب الفسخ والتي يجب الإخبار بها؛ كالجب والعنة والرتق والفتق والجنون والجذام والبرص، إلا أنَّ الضابط الذي وضعوه.
ونوهت بأن العلة التي راعوها في تنزيل الحكم الشرعي يمكن تطبيقهما على جميع الأمراض التي لم تتناولها نصوصهم ولم تشملها عباراتهم؛ سواء أكانت أمراضًا نفسية سيكولوجية، أم جسدية فسيولوجية؛ لما تقرر مِن أنَّ "الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا"؛ كما في "تشنيف المسامع" للإمام الزركشي (3/ 54، ط. مكتبة قرطبة).
وأوضحت أن العلة: هي العيب أو الضرر المترتب على المرض إذا كان شيء منهما ممَّا يخلّ بالمقصود الأصلي من النكاح، والحكم: هو الحقّ في طلب الفسخ أو الطلاق للضرر، وقال شهاب الدين القليوبي في "حاشيته على شرح المنهاج" (2/ 245، ط. دار الفكر): [عيب النكاح: وهو ما يخلّ بمقصوده الأصلي] اهـ.
وأكملت : وقد أفاد المتخصصون من الأطباء النفسيين -الذين تم الاستماع إليهم في المسألة- أن الأمراض النفسية من حيث إمكانية التعايش معها ومدى تأثيرها على استقرار الحياة الزوجية والأسرية تنقسم إلى نوعين:
وواصلت: النوع الأول: الأمراض التي يصعب التعايش معها وتحمل تبعاتها من رعاية وعناية وكلفة مادية أو بدنية، ممَّا ينعكس بالسلب على استقرار الأسرة والحقوق الزوجية، ومن ذلك: أمراض الفصام "كالبارانويا"، والاضطرابات الذهنية الحادة كالذهان، والاضطرابات المزاجية كالهوس والوسواس الشديدين.
ونبهت إلى أن هذه الأمراض مما يجب على الخاطب أن يخبر مخطوبته بها قبل العقد عليها؛ حتى تكون مخيرة بين إتمام العقد أو فسخ الخطبة، ويُعَدّ كتمانه هذا النوع من الأمراض تدليسًا وغشًّا؛ لكونه أخفى عليها ما يلزمه الإخبار به ممَّا قد يخلّ بالمقصود الأصلي من عقد النكاح أو يضرّ بحق الطرف الآخر.
وأبانت أنه لا يخفى أنَّ ثبوت الضرر بالمرض النفسي أشد وقعًا وتأثيرًا على الحياة الزوجية من ثبوته في المرض الجسدي، إذ إن المرض النفسي إضافة إلى أنه يضر بالطرف الآخر وقد يخلّ بمقصود الزواج؛ فإنه يتطلب الاحتياج لرعاية دائمة، وكُلفة باهظة، وترقّب دائم، وتحمّل تبعات تحتاج إلى مَن يحسن التعامل معها، ويتطلب أيضًا قدرة نفسية خاصة تُعِين على التكيُّف معه وتَـحَمُّلِهِ؛ كما أفاد بذلك خبراء الطب النفسي.
ولفتت إلى أنه بذلك أَوْلَى لثبوت العيب به من الضرر الجسدي، وهذا ما نص عليه الإمام محمد من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة؛ من أن مرض الصرع والوسواس -وهي أمراض نفسية- من العيوب التي تثبت الحق في الخيار.
واستندت لما قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 327، ط. دار الكتب العلمية) في شروط لزوم النكاح وبيان العيوب المنافية لمقاصده: [قال محمد: خُلُوُّهُ من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر؛ كالجنون والجذام والبرص: شرط لزوم النكاح؛ حتى يُفسخ به النكاح، وخلوه عما سوى ذلك: ليس بشرط، وهو مذهب الشافعي. وَجْهُ قول محمد: أنَّ الخيار في العيوب الخمسة إنما ثبت لدفع الضرر عن المرأة، وهذه العيوب في إلحاق الضرر بها فوق تلك؛ لأنها من الأدواء المتعدية عادة، فلما ثبت الخيار بتلك، فَلَأَنْ يَثبت بهذه أَوْلَى] اهـ.
ودللت بما قال الشيخ الدردير المالكي في "أقرب المسالك" (2/ 467-469، ط. دار المعارف): [(الخيار) مبتدأ (للزوجين).. أي: يثبت بسبب وجود عيب بصاحبه (إذا لم يسبق علم) بالعيب قبل العقد، فإن علم بالعيب قبل العقد فلا خيار له (ولم يرض) بالعيب حال اطلاعه عليه.. فقال: الخيار للزوجين بِبَرَصٍ.. (وجنون) بطبع أو صرع أو وسواس (وإن) وقع (مرة في الشهر)؛ لنفور النفس منه] اهـ ملخصًا.
واستدلت بما قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (3/ 117، ط. دار الكتاب الإسلامي): [ولو استشير في أمر نفسه في النكاح؛ فإن كان فيه ما يثبت الخيار فيه؛ وجب ذكره للزوجة] اهـ. وقال الخطيب الشربيني الشافعي في "حاشيته على الغرر البهية" (4/ 102، ط. المطبعة الميمنية): [إذا استُشير في نفسه للنكاح: يجب ذكر العيب إن ثبت به الخيار] اهـ.