توقعات الأبراج ليوم الجمعة25 أيلول / سبتمبر 2026
اجتماع أمني في الداخلية.. الحجار يرفع الجهوزية
بالفيديو.. سيارة متوقفة وشاحنة منحرفة... إصابتان على أوتوستراد القلمون
تشافي ضد كلوب.. الموعد والقنوات الناقلة لمباراة هولندا وألمانيا
لبنان بين الفاتيكان وباريس: حين يلتقي اهتمام البابا بقلق فرنسا
لماذا قال الشرع لترامب "أعطِ نيوجيرسي لإسرائيل"؟ القصة أبعد من المزاح
تعميم من وزير العمل بشأن مهل تقديم وتجديد إجازات العمل
لقاء مرتقب بين سلام وبزشكيان في نيويورك السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية
لطالما كانت العلاقات اللبنانيّة – السوريّة مرآة للتحوّلات الكبرى في الشرق الأوسط. فما من محطّة مفصليّة عاشها لبنان منذ الاستقلال إلّا وكانت دمشق أحد أبرز اللاعبين فيها، سواء بالحضور العسكريّ المباشر أو بالنفوذ السياسيّ أو بالدور الأمنيّ.
لكنّ زيارة وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لبيروت لا يمكن قراءتها بوصفها زيارة بروتوكوليّة أو محاولة لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين وحسب، فهي تأتي في لحظة إقليميّة تعاد فيها كتابة خرائط النفوذ، وفي وقت يتقاطع مستقبل لبنان مع ملفّات تتجاوز حدوده، من الاتّفاق اللبنانيّ – الإسرائيليّ إلى مستقبل سلاح “الحزب”، وصولاً إلى إعادة تموضع سوريا نفسها في الإقليم.
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
عليه، لا بدّ من إعادة طرح السؤال الكبير اليوم: هل يمكن أن يتكرّر في لبنان سيناريو الثمانينيّات والتسعينيّات لكن بعهد سوريّ مختلف وبأدوات نفوذ مختلفة؟
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
ليس السؤال نظريّاً، فمنذ أسابيع تتكرّر تصريحات للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ومسؤولين مقرّبين من إدارته تتحدّث عن دور سوريّ محتمل في معالجة ملفّ “الحزب”، أو على الأقلّ عن أهميّة انخراط دمشق الجديدة في ترتيبات ما بعد الحرب. وعلى الرغم من النفي السوريّ لأيّ دور عسكريّ داخل لبنان، أعاد طرح الفكرة نفسه إلى الذاكرة اللبنانيّة واحدة من أكثر المراحل حساسيّة في تاريخ البلد.
ترافق صدور قرار القضاء على منظّمة التحرير في بيروت عام 1982 مع اجتياح إسرائيل للبنان تحت هذا العنوان. وبعد خروج الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات من بيروت، لم تنتهِ الأزمة، بل دخل لبنان في سنوات من الحروب الداخليّة والصراعات بين الميليشيات، قبل أن يصبح الوجود العسكريّ السوريّ، الذي بدأ عام 1976، الركيزة الأساسيّة للنظام اللبنانيّ الجديد الذي كرّسه اتّفاق الطائف لاحقاً.
كان المشهد يومها يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: اجتياح إسرائيليّ، انهيار داخليّ، ثمّ دور سوريّ لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
تبدو العناصر نفسها اليوم حاضرة ظاهريّاً. تخوض إسرائيل حرباً هدفها المعلن إنهاء البنية العسكريّة لـ”الحزب”. ويعيش لبنان انقساماً داخليّاً غير مسبوق على مستقبل السلاح. أمّا سوريا فتعود تدريجاً إلى المشهد اللبنانيّ بعد سقوط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة برئاسة أحمد الشرع.
تتحدّث بعض القراءات عن أنّ عودة عناصر المشهد نفسها توحي بأنّ كلام ترامب لم يأتِ من فراغ. بل إنّه مقصود ليمهّد لمرحلة نفوذ سوريّ جديد في لبنان. وتتحدّث بعض القراءات الأخرى عن أنّ عودة عناصر المشهد لا تكفي لأنّ موازين القوى الداخليّة لا تسمح بذلك، ولأنّ المرحلة مختلفة، ولأنّ ما كان يؤخذ بالعسكر يومها، يؤخذ بالنفوذ السياسيّ اليوم.
من الوصاية إلى الدّولة… دمشق اليوم غير دمشق الأمس؟
يتحدّث مصدر متابع لزيارة الشيباني لبيروت قائلاً إنّ العنصر الأساسيّ في المشهد هو أنّ سوريا اليوم ليست سوريا حافظ الأسد، ولا سوريا بشّار الأسد. إنّها دولة خرجت من حرب مدمّرة، تبحث عن إعادة بناء اقتصادها واستعادة شرعيّتها العربيّة والدوليّة، أكثر ممّا تبحث عن إعادة إنتاج نفوذها العسكريّ في لبنان. ولذلك جاءت كلّ محطّات زيارة الشيباني لتقول شيئاً واحداً: دمشق تريد العودة إلى لبنان، لكن ليس عبر الجيش، بل عبر الدولة.
عليه، لم يكن صدفة أن يبدأ الشيباني لقاءاته مع رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النوّاب ثمّ رئيس مجلس الوزراء، ثمّ انتقل إلى دار الفتوى، كليمنصو، الصيفيّ، ومعراب، في مشهد يعكس رغبة سوريّة في مخاطبة المكوّنات اللبنانيّة المختلفة.
تقول مصادر دبلوماسيّة متابعة لزيارة الشيباني قائلة إنّه لم يكن تفصيلاً بروتوكوليّاً توقيع اتّفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانيّة – السوريّة المشتركة. فهذه اللجنة لا تعني فقط تنظيم ملفّات الاقتصاد والطاقة والحدود، بل تمثّل انتقال العلاقة من مرحلة الأشخاص والأجهزة الأمنيّة إلى مرحلة المؤسّسات. وهذا بحدّ ذاته يمثّل انقلاباً على النموذج الذي حكم العلاقة بين البلدين طوال عقود. ووصف الشيباني بحسب مقرّبين منه هذه الزيارة بأنّها من أفضل الزيارات الخارجيّة التي قام بها، لا سيما أنّها للبنان المحكوم هو وسوريا دائماً بالجغرافيا والتاريخ والحدود والملفّات المشتركة.
إذا كان التوقيع على تشكيل اللجنة العليا اللبنانيّة ـ السوريّة هو الرسالة الرسميّة للزيارة، فإنّ زيارة مدينة طرابلس كانت الرسالة السياسيّة الأعمق. فالمدينة التي ارتبط اسمها لعقود بالمواجهة مع النظام السوريّ السابق، والتي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الوصاية، استقبلت وزير خارجيّة سوريا الجديدة بمشهد مختلف تماماً.
بدت وكأنّها محاولة لقول إنّ دمشق الجديدة تعترف بالجرائم التي ارتُكبت بحقّ المدينة التي طالما كانت الحديقة الخلفيّة لسوريا.
أمّا الرسالة الأكثر عمقاً فهي تلك التي قالتها طرابلس من خلال استقبالها الشعبيّ لوزير خارجيّة سوريا وكانت بالغة الدلالة. أعلنت الرسالة بوضوح أنّ النفوذ السوريّ لم يعد يحتاج إلى دبّابة تعبر الحدود أو إلى انتشار عسكريّ داخل لبنان أو إلى مراكز استخبارات متفرّقة.
أنتجت الثورة السوريّة، وما رافقها من تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة، شبكات تواصل جديدة، لا سيما مع الشمال اللبنانيّ. وصارت دمشق قادرة على استعادة حضورها في لبنان عبر السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعيّة، لا عبر القوّة العسكريّة. وهذا تحديداً أحد الفوارق الجوهريّة عن تسعينيّات القرن الماضي حين كان حضور سوريا في لبنان من خلال الأمن والعسكر والوصاية. ومن هنا يمكن فهم حرص الشيباني على نفي أيّ نيّة للتدخّل العسكريّ، وإصراره على أنّ العلاقة مع لبنان ستكون بين دولتين مستقلّتين.
يقول مطّلعون على حيثيّات الزيارة، إنّ سوريا تكتسب مع الوقت حاجة المجتمع الدوليّ إليها في لبنان، باعتبارها أحد اللاعبين القادرين على تسهيل أيّ تسوية مستقبليّة. على أنّ الدور المطلوب منها، إذا وُجد لاحقاً، سيكون دور الوسيط أو الضامن السياسيّ، لا دور القوّة العسكريّة .
هل يكفي التّغيّر في سوريا لتغيير العلاقة اللّبنانيّة – السّوريّة؟