قبل فترة أو أكثر، كنت في أحد المحال الشعبية المعنية ببيع المصوغات التراثية، برفقة أصدقائي المفتونين، حدَّ الوله والإفراط في الوجد، بكل ما يتعلق بحياة الزمن الماضي البعيد. وكان من بين زبائن المحل سائح أوروبي من المجر، راقٍ وبشوش ومبتسم.
وبعد التحايا والسلام، طرح عليه أحدنا سؤالًا: هل تريد مساعدتنا في البحث عن مقتنيات، هديةً أو لغير ذلك؟
أجاب بكل جرأة: «بل أتمنى أن تساعدوا أنفسكم في إبراز حقيقة أصالة إرثكم! فقد شاهدت في وطني، عبر القنوات الفضائية ومقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، مدنًا تاريخية في السعودية، كالدرعية والعُلا وجدة والأحساء وبعض مدن المناطق الجنوبية، فشدّتني إلى زيارة السعودية. وشاهدت بعضًا منها هنا على أرض الواقع، ولم أستطع الوصول إلى الأخرى لبعدها الجغرافي. وجئت إلى هذا المحل وغيره من الأسواق لأقتني بعضًا مما شاهدته على هيئة مجسمات؛ بعضها للهدايا، والأخرى لأحتفظ بها ذكرى لزيارتي، ولكنني لم أجد ذلك!».
أقول: بكل أمانة، كانت فكرة كتابة مقال عن هذا الموضوع تدور في ذهني منذ تلك اللحظة، لكنني أرجأتها إلى وقت آخر، حتى يقع حدث يهزّني بقوة لكتابته.
وقبل أيام، شاهدت الإعلامي القطري خالد جاسم يتحرر من مهامه التي أتى من أجلها لتغطية بطولة «خليجي الديار العربية» من خلال برنامجه الرياضي الناجح، ويتحول إلى سائح ينقل ثقافتنا وتراثنا وموروثنا الأصيل، وحكايات أجدادنا وفنوننا وحِرفنا وقيمنا التي تشكّل هويتنا منذ قرون.
وقد زار أماكن يجمع العاملين فيها انتماؤهم إلى عائلات توارثت الحِرفة جيلًا بعد جيل، من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء، الذين يواصلون ممارسة حِرفة أجدادهم بكل سعادة حتى اليوم. ونقلها لنا الإعلامي المتألق أبو جاسم بطريقة وإخراج مُلهِمين ومشوّقين إلى حد الإبهار.
ولعلي بهذه القصة السردية أريد أن أصل إلى سؤال: بما أننا في عصر الانفتاح العالمي، وفي متناول أيدينا تقنيات متعددة لا تتطلب من مستخدميها سوى ضغطة زر، هل استطعنا حقًّا نقل ثقافتنا وتراثنا الأصيل إلى العالم، أم إن ما نقدمه في بعض المحافل الثقافية والتراثية والسياحية والرياضية مجرد «قشور» لا تشبهنا في شيء؟!
من المؤلم جدًّا أن نرى هيئات وجمعيات ومتاحف تُعنى بالتراث، وتحظى بدعم مالي سخي ومعنوي غير مسبوق من لدن قيادتنا الحكيمة، كان كفيلًا بصناعة أثر تراثي وموروث حقيقي يشبه كل تفاصيل هويتنا السعودية وعمق جوهرها التاريخي القيّم والأصيل، ولكن مخرجاتها في الغالب مخيبة للآمال! فما نراه اليوم في بعض الفعاليات، وما نشاهده في الأسواق التراثية، وما يُنقل لنا عبر حسابات المشاهير، تغلب عليه العشوائية واستنساخ ثقافات أخرى لا تشبهنا!
أجزم بأننا بحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في الاستراتيجيات الثقافية الحالية، أو إتاحة المجال لرجال التراث الحقيقيين لممارسة صنائعهم ومهنهم التي تربّوا عليها، وعاشوا، على الأقل، جزءًا من عصرها الماضي؛ لكي نضمن أن ما يُنقل إلى الأجيال القادمة هو التراث التاريخي والبيئي الأصيل الذي نتمسك به، وأن يُنقل بأمانة لضمان استمرار الهوية، وأن ما نُرسله إلى العالم يجسّد صورتنا الحقيقية التي ننتمي إليها.
قبل فترة أو أكثر، كنت في أحد المحال الشعبية المعنية ببيع المصوغات التراثية، برفقة أصدقائي المفتونين، حدَّ الوله والإفراط في الوجد، بكل ما يتعلق بحياة الزمن الماضي البعيد. وكان من بين زبائن المحل سائح أوروبي من المجر، راقٍ وبشوش ومبتسم.
وبعد التحايا والسلام، طرح عليه أحدنا سؤالًا: هل تريد مساعدتنا في البحث عن مقتنيات، هديةً أو لغير ذلك؟
أجاب بكل جرأة: «بل أتمنى أن تساعدوا أنفسكم في إبراز حقيقة أصالة إرثكم! فقد شاهدت في وطني، عبر القنوات الفضائية ومقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، مدنًا تاريخية في السعودية، كالدرعية والعُلا وجدة والأحساء وبعض مدن المناطق الجنوبية، فشدّتني إلى زيارة السعودية. وشاهدت بعضًا منها هنا على أرض الواقع، ولم أستطع الوصول إلى الأخرى لبعدها الجغرافي. وجئت إلى هذا المحل وغيره من الأسواق لأقتني بعضًا مما شاهدته على هيئة مجسمات؛ بعضها للهدايا، والأخرى لأحتفظ بها ذكرى لزيارتي، ولكنني لم أجد ذلك!».
أقول: بكل أمانة، كانت فكرة كتابة مقال عن هذا الموضوع تدور في ذهني منذ تلك اللحظة، لكنني أرجأتها إلى وقت آخر، حتى يقع حدث يهزّني بقوة لكتابته.
وقبل أيام، شاهدت الإعلامي القطري خالد جاسم يتحرر من مهامه التي أتى من أجلها لتغطية بطولة «خليجي الديار العربية» من خلال برنامجه الرياضي الناجح، ويتحول إلى سائح ينقل ثقافتنا وتراثنا وموروثنا الأصيل، وحكايات أجدادنا وفنوننا وحِرفنا وقيمنا التي تشكّل هويتنا منذ قرون.
وقد زار أماكن يجمع العاملين فيها انتماؤهم إلى عائلات توارثت الحِرفة جيلًا بعد جيل، من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء، الذين يواصلون ممارسة حِرفة أجدادهم بكل سعادة حتى اليوم. ونقلها لنا الإعلامي المتألق أبو جاسم بطريقة وإخراج مُلهِمين ومشوّقين إلى حد الإبهار.
ولعلي بهذه القصة السردية أريد أن أصل إلى سؤال: بما أننا في عصر الانفتاح العالمي، وفي متناول أيدينا تقنيات متعددة لا تتطلب من مستخدميها سوى ضغطة زر، هل استطعنا حقًّا نقل ثقافتنا وتراثنا الأصيل إلى العالم، أم إن ما نقدمه في بعض المحافل الثقافية والتراثية والسياحية والرياضية مجرد «قشور» لا تشبهنا في شيء؟!
من المؤلم جدًّا أن نرى هيئات وجمعيات ومتاحف تُعنى بالتراث، وتحظى بدعم مالي سخي ومعنوي غير مسبوق من لدن قيادتنا الحكيمة، كان كفيلًا بصناعة أثر تراثي وموروث حقيقي يشبه كل تفاصيل هويتنا السعودية وعمق جوهرها التاريخي القيّم والأصيل، ولكن مخرجاتها في الغالب مخيبة للآمال! فما نراه اليوم في بعض الفعاليات، وما نشاهده في الأسواق التراثية، وما يُنقل لنا عبر حسابات المشاهير، تغلب عليه العشوائية واستنساخ ثقافات أخرى لا تشبهنا!
أجزم بأننا بحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في الاستراتيجيات الثقافية الحالية، أو إتاحة المجال لرجال التراث الحقيقيين لممارسة صنائعهم ومهنهم التي تربّوا عليها، وعاشوا، على الأقل، جزءًا من عصرها الماضي؛ لكي نضمن أن ما يُنقل إلى الأجيال القادمة هو التراث التاريخي والبيئي الأصيل الذي نتمسك به، وأن يُنقل بأمانة لضمان استمرار الهوية، وأن ما نُرسله إلى العالم يجسّد صورتنا الحقيقية التي ننتمي إليها.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.