لاشك أنه من الأهمية الوقوف على حقيقة هل من نام عن صلاة الفجر منافق ؟، خاصة وأنه عادة الكثيرين ، حيث أصبح النوم عن صلاة الفجر واقعًا فرض نفسه على قطاع كبير من الناس، خاصة بعدما صار السهر شيئًا عاديًا، إلا أن سؤال: هل من نام عن صلاة الفجر منافق ؟، من شأنه أن يجعلنا نعيد حساباتنا مرة أخرى في السهر الذي يودي بنا في نهاية المطاف إلى النوم عن صلاة الفجر، والحرمان من فضلها وأجرها العظيم، بل إنه يمثل تهديدًا كذلك ، فأعاذنا الله وإياكم أن نكون من المنافقين.
إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ عُمُومًا مِنْ أَهَمِّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تُمَيِّزُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ مِنْ أَهَمِّ مَا يُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْمُنَافِقِ وَالصَّالِحَ مِنَ الطَّالِحِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ “أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صِلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ”.
وورد أن صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوَّلُ الصَّلَاةِ إِقَامَةً، وَأَفْضَلُهَا مَنْزِلَةً، وَأَعْلَاهَا رُتْبَةً، أَلَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ؛ فَقَالَ: (وَالْفَجْرِ) الآية 1 من سورة الْفَجْرِ، أَلَيْسَ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ فَيَجْتَمِعُ لَهَا أَطْهَارُ السَّمَاءِ وَأَطْهَارُ الْأَرْضِ وَأَبْرَارُهَا وَخِيَارُهَا فِي مَحْفِلٍ كَرِيمٍ وَمَجْمَعٍ رَحِيمٍ؛ (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) الآية 78 من سورة الْإِسْرَاءِ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ“.
وورد أن صَلَاةُ الْفَجْرِ هي الْفَاصِلُ بَيْنِ الْإِيمَانِ الْخَالِصِ وَالنِّفَاقِ الْمَحْضِ؛ فَهِيَ دَلِيلُ التَّقْوَى وَبُرْهَانُ الْإِحْسَانِ، وَهِيَ عَلَامَةُ الِاتِّبَاعِ، وَمِحَكُّ الْإِذْعَانِ؛ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: “كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءَ أَسَأْنَا الظَّنَّ بِهِ“(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ)،أَرَأَيْتُمْ حِينَ غَابَ الْمُتَخَلِّفُونَ عَنْهَا كَيْفَ كَانَتْ أَجْوَاءُ الصَّبَاحِ صَافِيَةً وَهَوَاؤُهُ نَقِيًّا! وَلَيْسَ ذَلِكَ بِغَرِيبٍ؛ فَهِيَ لَمْ تَتَلَوَّثْ بِأَنْفَاسِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهَا الَّذِينَ لَا يَأْتُونَ مَسَاجِدَ اللَّهِ إِلَّا كُرْهًا، وَلَا يُؤَدُّونَ الصَّلَاةَ إِلَّا رِيَاءً؛ قَالَ اللَّهُ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) الآية 142 من سورة النِّسَاءِ، وَكُلُّ الَّذِي يَدْفَعُهُمْ لِذَلِكَ إِمَّا ثَنَاءُ النَّاسِ لَهُمْ، أَوْ خَوْفُهُمْ عَلَى سُمْعَتِهِمْ، أَوْ خَشْيَتُهُمْ فَوَاتَ مَصَالِحِهِمْ.
ورد عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاةُ العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأَتَوْهما ولو حَبْوًا»؛ متفق عليه، ومعنى(أثقل): أشق، وفيه إشارة إلى أن الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين،(ولو يعلمون ما فيهما)؛ أي: من الخير والفضل والأجر العظيم،(ولو حبوًا)؛ أي: يزحفون إذا منعهم مانع من المشي على أرجلهم كما يزحف الصغير.
أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، لقد هممتُ أن آمُرَ المؤذِّن فيُقِيم, ثم آمُر رجلًا يؤمُّ الناس، ثم آخذ شعلًا من نار فأُحرِّق على مَن لا يخرج إلى الصلاة بعد»، فيما قيل في الفتح: وإنما كانتِ العِشاءُ والفجر أثقلَ عليهم من غيرهما لقوةِ الداعي إلى تركهما؛ لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذَّة النوم.
وقد أشار الله عز وجل إلى أن جميع الصلوات ثقيلة على المنافقين؛ حيث قال:«وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى» الآية 54 من سورةالتوبة، وبيَّن أنه لا يفرح بها ولا يحرِص عليها إلا الخاشعون؛ حيث قال: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ » الآية 45 من سورة البقرة، ومعنى كبيرة؛ أي: ثقيلة، ولَمَّا كانت الفجر في غير وضح النهار، وهم لا يصلون إلا رياءً، فلا يشاهدهم مَن يراؤونهم من الناس غالبًا، فلا باعث يستخفُّهم لها، ولذلك كله ثقُلَت عليهم.
وقد يكون النوم عن صلاة الفجر حرامًا في حالة واحدة، فقال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، في حكم من غلبه النوم عن صلاة الفجر إنه إذا ترك المسلم صلاة الفجر وغيرها من العبادات بسبب النوم، فإنه لا يعد حراما ما لم يكن متعمدًا.
و أوضح «جمعة» في إجابته عن سؤال: « هل إذا ترك المسلم صلاة الفجر لأنه غلبه النوم يعتبر متعمدًا؟»، أنه في حال غلب النعاس الشخص وأصابه النوم عن صلاة الفجر وما نحوها من الصلوات، فإنه لا يعد متعمدًا ويُرفع عنه القلم – حيث يرفع عن من نام-، ولا يعد ذلك حرامًا، طالما لم يكن هذا نظام حياة، فهذا عن حكم من غلبه النوم عن صلاة الفجر.
فقد نبه إلى أنه إذا غلبه النوم وفاتته صلاة الفجر فلا إثم عليه لأن القلم رفع عن ثلاث بينهم النائم حتى يفيق، ولكن إذا كن هذا نظام حياة أن ينام مع آذان الفجر ويستيقظ بعد الظهر يوميا فهنا لا يرفع عنه القلم، لأنه لن يصلى الفجر نهائيًا بحجة انه نائم فهذا خطأ ولا يجوز شرعًا.
أضاف أنه لو جلس يتعمد النوم عن صلاة الفجر وما نحوها كنظام حياة، بأن يسهر إلى الفجر وينام عندما يؤذن للصلاة، أو أن تقول له أمه «الفجر أذن يا بني اذهب للنوم وليس للصلاة، كما جاء بالأفلام القديمة، بمعنى أن وقت الراحة يأتي مع أذان الفجر أو مع العبادات عامة».
وأردف: فهنا يكون النوم عن صلاة الفجر بسبب السهر حرامًا، أي أنه لو كان النوم عن صلاة الفجر نظام حياة فالحرمة في هذا النظام الذي لا يراعي العبادات لله سبحانه وتعالى، مشيرًا إلى أن النوم عن صلاة الفجر بسبب السهر في هذه الحالة لن تكون الحُرمة في ذات النوم عن صلاة الفجر، وإنما في نظام الحياة.