قالت دار الإفتاء المصرية، إن رفع اليدين في الدعاء سنة مأثورة متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من هيئة حسب أحوال الدعاء.
وأوضحت " الإفتاء" في إجابتها عن سؤال: ما حكم جعل ظهر كف اليدين للسماء عند الدعاء ؟ وهل كان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل ظهر كف اليدين للسماء عند الدعاء؟ وخاصة عند سؤال الله رفعَ البلاء؟، أن إذا كان لطلب حاجة أو رزق جَعَلَ باطن كفيه إلى السماء وظهرهما إلى الأرض.
وتابعت: وإن كان لرفع نقمة أو لدفع بلاء أو استعاذة قَلَبَ يديه إلى الأرض وجعل ظهرهما إلى السماء؛ فالأمر في ذلك واسع ولا مجال للإنكار، والصواب ترك الناس فيه على سجاياهم، والعبرة في أمر الدعاء حيث يجد الإنسان قلبه.
وأفادت بأن الدعاء عبادة من أعظم العبادات التي أمر بها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: 29]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
واستشهدت بما ورد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في "سننهم" والحاكم في "المستدرك" وصححه.
ودللت بما جاء عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» أخرجه أبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجه في "سننهم" وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك" وصححه.
ونوهت بأن الأمر بالدعاء جاء عامًّا مطلقًا؛ فيشمل ذلك كلَّ هيئاته؛ في الصلاة وخارجها، سرًّا وجهرًا، رغبة أو ورهبة؛ فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 55-56].
وأردفت : كما جاء الأمر بالدعاء على كلّ حال، تواترت نصوصُ السنة النبوية الشريفة باستحباب رفع اليدين في الدعاء، حتى خصَّص الأئمة أبوابًا لذلك في مصنفاتهم؛ فبوب الإمام البخاري في "صحيحه": (بَابُ رَفْعِ الأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ)، وبوب الإمام الترمذي في "جامعه": (بَاب مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الأَيْدِي عِنْدَ الدُّعَاءِ)، وابن ماجه في "سننه": (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ).
وأشارت إلى أنه نص الأئمة على تواتر أحاديث رفع اليدين عند الدعاء تواترًا معنويًّا؛ فقال الحافظ السيوطي في "تدريب الراوي" (2/ 631، ط. دار طيبة): [ومنه ما تواتر معناه؛ كأحاديث رفع اليدين في الدعاء] اهـ. وبه قال الإمام المناوي في "اليواقيت والدرر" (1/ 246، ط. مكتبة الرشد).
ولفتت إلى أنه مع تواتر الأحاديث على رفع اليدين عند الدعاء إلا أنَّ لها صورًا واردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تختلف باختلاف المدعو به وحال الدعاء عند ذلك؛ فإذا كان الدعاء لطلب حاجة أو عطاء فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوجه باطن كفيه إلى السماء وظهرهما إلى الأرض، وإن كان الدعاء لرفع نقمة أو دفع بلاء قلب يديه إلى الأرض وجعل ظهرهما إلى السماء.
واستندت لما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ" أخرجه مسلم في "صحيحه" واللفظ له، والإمام أحمد وعبد بن حميد في "مسنديهما".
وواصلت: قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (6/ 190، ط. دار إحياء التراث): [قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كلّ دعاء لرفع بلاء؛ كالقحط ونحوه، أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفّيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء] اهـ.
وأكملت: وروى ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله سبحانه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90] قال: «رَغَبًا هَكَذَا، وَرَهَبًا هَكَذَا»، وبسط كفيه؛ يعني: جعل ظهرهما للأرض في الرغبة، وعكسه في الرهبة؛ كما نقله الحافظ السيوطي في "الدر المنثور" (5/ 670-671، ط. دار الفكر) مختصرًا، وذكره بتمامه العلامة الشوكاني في "فتح القدير" (3/ 502، ط. دار ابن كثير).
واستطردت: هو ما نص عليه الفقهاء؛ فقد ذكروا أن الدعاء إذا كان رغبة جعل الداعي باطن كفيه إلى السماء وظهرهما إلى الأرض، وإن كان رهبة جعل ظهر كفيه إلى السماء وباطنهما إلى الأرض.
وبينت أنه قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (1/ 166، ط. دار المعرفة): [وعن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة، ودعاء رهبة، ودعاء تضرع، ودعاء خفية، ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه نحو السماء، وفي دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشيء، وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالإبهام والوسطى ويشير بالسبابة، ودعاء الخفية ما يفعله المرء في نفسه، وعلى هذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى] اهـ.
وجاء في "المدونة" في فقه الإمام مالك (1/ 420، ط. دار الكتب العلمية): [قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الإمام إذا أمر الناس بالدعاء وأمرهم أن يرفعوا أيديهم في مثل الاستسقاء، والأمر الذي ينزل بالمسلمين مما يشبه ذلك؟ قال: فليرفعوا أيديهم إذا أمرهم، وليرفعوا رفعًا خفيفًا، وليجعلوا ظهور أكفهم إلى وجوههم وبطونها إلى الأرض.
قال ابن القاسم: وأخبرني بعض من رأى مالكًا في المسجد يوم الجمعة ودعا الإمام في أمر، وأمر الناس أن يرفعوا أيديهم فرأى مالكًا فعل ذلك، رفع يديه ونصبهما وجعل ظاهرهما مما يلي السماء] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 160، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ويستحب رفع اليدين فيه)، وفي سائر الأدعية للاتباع.. ويجعل ظهرهما للسماء إن دعا لرفع بلاء، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء] اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (2/ 235، ط. مؤسسة الرسالة): [عن أنس رضي الله عنه: أنه عليه السلام كان إذا دعا جعل ظاهر كفيه مما يلي وجهه، وباطنهما مما يلي الأرض، حديث صحيح، ومراده: أحيانًا؛ لرواية أبي داود عنه: "رأيته عليه السلام يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما"، وفي الاستسقاء، وهو ظاهر كلام شيخنا، أو مراده دعاء الرهبة؛ على ما ذكر ابن عقيل وجماعة: أن دعاء الرهبة بظهر الكف؛ كدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاستسقاء، مع أن بعضهم ذكر فيه وجهًا] اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (9/ 224، ط. مكتبة الغرباء الأثرية): [النوع الخامس: أن يقلب كفيه ويجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض، مع مد اليدين ورفعهما إلى السماء.
وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس رضي الله عنه على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد قلب كفيه، إنما حصل لهُ من شدة رفع يديه انحناءُ بطونهما إلى الأرض، وليس الأمر كما ظنه، بل هوَ صفة مقصود لنفسه في رفع اليدين في الدعاء] اهـ.