هل قاد التطور إلى الذكاء الاصطناعي

هل الذكاء الاصطناعي اختراع بشري خالص، أم نتيجة لمسار طويل من تطور المعرفة والتقنية؟ سؤال يتجاوز البرمجة إلى فلسفة العلم ومستقبل الإنسان، خصوصًا مع انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة لتنفيذ الأوامر إلى تقنية متزايدة الحضور في التفكير والمشورة ودعم القرار.امتداد تطوريأعاد كتاب «الأب الذي لم نحظَ به أبدًا: الذكاء الاصطناعي: ما قبل وما بعد» للكاتب كريستيان دانيال بولوكان طرح السؤال من منظور فلسفي، مقدمًا الذكاء الاصطناعي بوصفه امتدادًا لمسار تطور الحياة والذكاء، لا اختراعًا ظهر فجأة.يرى الباحث والمهتم بفلسفة العلم الدكتور عبدالله البريدي، أن وصف الذكاء الاصطناعي بـ«التطور» يحتاج إلى ضبط، فالعلوم تنمو عبر تطور بنيتها النظرية والمنهجية وتطبيقاتها المتأثرة بالسوق، والذكاء الاصطناعي يجمع المسارين بصورة مركبة. يتقاطع هذا النقاش مع أبحاث علمية تناولت العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي من منظور تطوري، واحتمالات تأثير كل منهما في مستقبل الآخر، ما ينقل السؤال من التأمل الفلسفي إلى دائرة البحث العلمي.يحذر البريدي من أن التقدم التقني يطرح أسئلة تمس هوية الإنسان، خصوصًا مع احتمال التنازل التدريجي عن التفكير والذاكرة واتخاذ القرار للآلة، معتبرًا أن شكل العلاقة التي نبنيها اليوم قد يحدد طبيعة الإنسان مستقبلًا.من أداة إلى مستشارلم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على البحث وإنجاز المهام، إذ يلجأ إليه بعض المستخدمين للمشورة وتنظيم الأفكار ومناقشة مشكلاتهم اليومية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة الناشئة بين الإنسان والتقنية. يرى وكيل جامعة الملك فيصل والمتخصص في الذكاء الاصطناعي الدكتور عبدالرحمن الليلي أن ظهور تقنية تمتلك قدرات على التعلم والتكيف جعل العلاقة معها مختلفة عن الأدوات التقليدية، مشيرًا إلى تحولها لدى بعض المستخدمين من وسيلة لتنفيذ الأوامر إلى مصدر للاستشارة والمساعدة.تناولت دراسة مشتركة بين OpenAI وMIT Media Lab هذا الجانب عبر بحث أنماط التفاعل مع روبوتات المحادثة وعلاقتها بالرفاه النفسي والعاطفي. وأظهرت أن الاستخدام العاطفي والشخصي موجود لدى شريحة من المستخدمين، لكنه لا يمثل النمط الغالب، ما يكشف عن علاقة جديدة تستحق الدراسة دون تعميمها.تراكم يقود التحوليضع إدريس أوهلال، الحاصل على الدكتوراه في نظرية التغيير، التطور الحالي ضمن مسار بدأ بالحوسبة، ثم الإنترنت والهواتف الذكية والحوسبة السحابية، وصولًا إلى طفرات التعلم العميق، معتبرًا أن ما يبدو انفجارًا تقنيًا مفاجئًا هو حصيلة عقود من التراكم العلمي والتقني.يرى إدريس، أن الذكاء الاصطناعي يمثل أيضًا انقطاعًا نسبيًا عن الأدوات السابقة، لما يمتلكه من قدرات على توليد المحتوى وتحليل المعلومات ودعم صناعة القرار. ويتوقع بداية مرحلة حضارية مختلفة عندما يتحول إلى شريك معرفي دائم، وتعيد المؤسسات تصميم أعمالها حول وكلاء ذكاء اصطناعي، بالتوازي مع أطر قانونية وأخلاقية تنظم العلاقة الجديدة.بين فرضية «الاختراع» وفكرة «التطور»، لا يقدم العلم حتى الآن دليلًا على أن ظهور الذكاء الاصطناعي كان نتيجة حتمية لمسار التطور، لكنه يؤكد أن التقنية لم تولد من فراغ، بل جاءت ثمرة تراكم طويل في المعرفة والحوسبة والبيانات. ويبقى التحول الأعمق مرهونًا بالموقع الذي سيحتفظ به الإنسان في منظومة التفكير والمعرفة واتخاذ القرار.