هل سيستقيل وزير الطاقة جو صدي أم يواجه شبكة المصالح المتضررة؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

في آب 2024، غرق لبنان بأكمله في العتمة حين كان معدل سعر برميل النفط 80 دولارا، ولم تسلم حتى المرافق الحيوية كمطار بيروت ومحطات ضخ المياه والسجون من الانقطاع الكامل. حينها ظهر وزير الطاقة والمياه السابق، المشهود له بخفة الظل، يحتفل ويرقص على أنغام "يا غايب" لفضل شاكر. أما اليوم، ومع بلوغ سعر برميل النفط 90 دولارا بحلول شهر آب، فقد تراجعت التغذية إلى نحو 4 ساعات يوميًا، لكنها استمرت ولم يغرق لبنان في العتمة الشاملة. وفي الشتاء أيضًا، بلغت التغذية 8 ساعات في شباط 2026 مقابل 4 ساعات فقط في شباط 2024. وقد تحقق هذا التحسّن المضاعف من دون أن تتغيّر البنية التحتية ومن دون أن تستدين الوزارة قرشًا واحدًا. وعليه، فإنّ الفارق إذًا ليس في الإمكانات، بل في الإدارة الرشيدة.ويفسّر هذا التحسّن بالذات الهجوم الشرس الّذي يتعرّض له الوزير الحالي. وعلى الرغم من أنّ ظاهر هذا النّقد يبدو سياسيا، إلّا أنّ جوهره محاولة لإجهاض الإصلاح الهيكلي الذي انطلق مع عهد الرئيس جوزف عون، إذ يهدد هذا الإصلاح شبكة مصالح متجذرة عطّلت لعقدين تنفيذ القانون 462/2002، الذي نص على إنشاء هيئة ناظمة وتفكيك احتكار كهرباء لبنان. فقد تعمّد الوزراء المتعاقبون تجميد الهيئة الناظمة للاحتفاظ بسيطرتهم على القطاع، فراكمت كهرباء لبنان خسائر بمليارات الدولارات مموَّلة من أموال المودعين عبر المصرف المركزي. وعلى الرغم من هذا الإنفاق الفرعوني، لم تؤمَّن تغذية متواصلة، كما مُنع دخول القطاع الخاص الشرعي الذي كان مستعدًا لبناء معامل إنتاج تكفي حاجات لبنان، فتُرِك السوق لمولدات الكهرباء.

وقد تغيّر المشهد مع تعيين الهيئة الناظمة في 11 أيلول 2025 وتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان في 16 شباط 2026 وفصل منصبي المدير العام ورئيس المجلس ثم إقرار ورقة سياسة قطاع الكهرباء الجديدة التي تطبق القانون بدلًا من التحايل عليه في 23 تموز 2026. وتمهّد هذه الخطوات لأهم إصلاح هيكلي في القطاع منذ عقود.أولًا، في التوزيع، تتجاوز الخسائر التقنية والسرقة وعدم التحصيل نسبة 50%، ما يفضي إلى فقدان نصف الإنتاج دون جباية. لذا تقترح السياسة الجديدة استبدال نظام مقدمي الخدمات (DSPs) بنظام مشغّلي أنظمة توزيع (DSOs) الذين يشترون الكهرباء بالجملة ويبيعونها للمستهلكين، ما يمنحهم حافزًا ماليًا مباشرًا للحد من الهدر وتحسين الجباية. وبذلك يصبح كل كيلوواط مفقود خسارة مباشرة على المشغّل، ما يدفعه لمكافحة الفساد بدافع المصلحة الذاتية، لا بانتظار رقابة خارجية على مؤشرات أداء قابلة للتعطيل أو الطعن أمام القضاء.ثانيًا، في الإنتاج، لا يمتلك لبنان القدرة المالية على الاستثمار بسبب تعثره في سداد ديونه واتهامات الفساد التي رافقت كل عقود الكهرباء التي أبرمها الوزراء السابقون وطالت التلزيمات وصفقات شراء الفيول وصيانة المعامل. وقد أدّى ذلك إلى جعل القطاع رهينة لمصالح ضيقة استفادت من بقاء الإنتاج حكرًا على الدولة يُدار بقرار الوزير وحده. وتقترح الورقة الجديدة فتح الباب لمنتجين مستقلين من القطاع الخاص يستثمرون مالهم الخاص في محطات كبرى وطنية أو توليد لامركزي صغير، فتنتفي الحاجة إلى الصفقات العمومية وما يرافقها من شبهات. إلّا أنّ نجاح زيادة القدرة الإنتاجية يتوقف على معالجة الهدر في التوزيع أولًا.ثالثًا، بما أن شبكتي النقل والتوزيع تشكلان احتكارًا طبيعيا، فإن نجاح أي منافسة في الإنتاج أو التجزئة رهنٌ بوصول مفتوح إلى هاتين الشبكتين. لذا فقد طلبت الخطة من الهيئة الناظمة تنفيذ ذلك بصرامة لمنع الجهة المالكة للشبكة، سواء بقيت كهرباء لبنان أو خلَفتها جهة أخرى، من استخدام سيطرتها على البنية التحتية لخنق المنافسين أو ابتزازهم.وقد استفادت شبكة المصالح من نظام متكامل يخدم مصالحها بمعزل عن أداء قطاع الكهرباء، وتخشى اليوم أن يحد الإصلاح من قدرتها على الاستحصال على مليارات الدولارات من أموال الشعب تحت غطاء الإنفاق المستمر. وكلما اقترب الإصلاح، ازدادت شراسة المنتفعين، لذا لم يبقَ أمامهم سوى الإطاحة بالوزير الإصلاحي لوقف المسار. ويعتمد هؤلاء على ثلاثة أسلحة: تأليب الرأي العام ضد الوزير ، وقد بدأ فعلًا؛ وامكانية عرقلة مدير عام كهرباء لبنان الذي يشغل منصبه منذ ٢٤ عام لخطة الشفافية التي وضعها مجلس الإدارة الجديد ولخطة الحكومة التي تنص على تفكيك احتكار المؤسسة؛ وتأجيل التحول إلى سوق تنافسية محررة إلى ما بعد انتهاء عمر الحكومة رغم أن التنفيذ يحتاج إلى أقل من سنتين.

من هنا تقف الحكومة ووزير الطاقة أمام خيار مفصلي: إما الانصياع لشبكة مصالح لا تزال تعيث فسادًا في القطاع، وإما مواصلة الإصلاح وتسريع وتيرته لحصد نتائجه الإيجابية على المواطن وساعات التغذية قبل انتهاء عمر الحكومة. فأي وجهة ستختار؟

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟