هل خيسوس يحارب كريستيانو؟

كما هو معروف في كرة القدم، فإن القرارات الفنية تُتخذ في وقتها المناسب، ولا ينبغي أن تكون أسيرة للماضي، إلا إذا كان في الماضي دروس تستحق الاستفادة منها. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قرار مدرب منتخب البرتغال، خورخي خيسوس، بوضع الأسطورة كريستيانو رونالدو على دكة البدلاء في مباراة النرويج، وهو القرار الذي أثار استياء «الدون»، ودفعه إلى مغادرة معسكر منتخب بلاده بعد المباراة. مغادرة رونالدو للمعسكر بهذه الطريقة تفتح باباً واسعاً للنقاش حول مدى احترافية التصرف، خصوصاً عندما يصدر من قائد المنتخب وأحد أهم رموزه التاريخية. فاللاعب مهما بلغت مكانته، ومهما كانت إنجازاته، يظل جزءاً من منظومة جماعية، وقرارات المدرب الفنية يجب أن تُحترم، سواء اتفق معها اللاعب أم اختلف. ربما كان رونالدو يرى أنه ما زال قادراً على العطاء، وهذا أمر لا يمكن تجاهله، لكن كرة القدم لا تُقاس دائماً بما يستطيع اللاعب تقديمه فقط، وإنما أيضاً بما تقتضيه المرحلة من حسابات فنية وبدنية وتكتيكية. ورونالدو تجاوز الأربعين عاماً، وهو عمر استثنائي بكل المقاييس بالنسبة للاعب كرة قدم محترف، حتى لو ظل محتفظاً بقدرته التهديفية وحضوره الكبير. ما فعله خيسوس، من وجهة نظري، لا يمكن تفسيره بالضرورة على أنه حرب ضد كريستيانو رونالدو، وإنما قد يكون قراراً فنياً يفرضه واقع المنتخب البرتغالي وضرورة التفكير في المستقبل. فالمنتخبات الكبرى لا تستطيع أن تتوقف عند أسماء الماضي، مهما كانت عظمتها، بل عليها أن تفتح المجال أمام الأجيال الجديدة، وتمنح اللاعبين الشبان فرص المشاركة واكتساب الخبرة. وهنا يجب أن نفرّق بين احترام تاريخ رونالدو، وهو تاريخ لا يستطيع أحد إنكاره، وبين التعامل معه باعتباره لاعباً فوق القرارات الفنية. فالقائد الحقيقي لا تقتصر مهمته على التسجيل وصناعة الفارق داخل الملعب، وإنما تمتد أيضاً إلى مساعدة زملائه، وتقبل قرارات الجهاز الفني، وأن يكون قدوة لهم في التعامل مع المواقف الصعبة. ولهذا، فإن مغادرة المعسكر بعد مباراة النرويج، إن كانت بالفعل احتجاجاً على قرار فني، لا تبدو الصورة المثالية التي ننتظرها من لاعب بحجم رونالدو وخبرته الطويلة. فاللاعب الكبير لا يُقاس فقط بما يقدمه عندما يكون في التشكيلة الأساسية، وإنما أيضاً بطريقة تعامله عندما يجلس على مقاعد البدلاء. ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه الحادثة تساؤلات حول مستقبل رونالدو مع المنتخب البرتغالي، وهل نحن أمام بداية النهاية لمسيرته الدولية، أم أن الأمر مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها؟ وحتى لو حدث اعتذار متبادل وانتهت الأزمة، فإن من الصعب تصور عودة الأمور إلى ما كانت عليه تماماً، إذا كان خيسوس يرى أن المنتخب دخل مرحلة جديدة تتطلب خيارات مختلفة. خيسوس، صاحب الشخصية القوية، يدرك جيداً أن المنتخب البرتغالي لا يعيش على أمجاد الماضي، وإنما ينظر إلى المستقبل. وهناك جيل شاب ينتظر فرصته، ويحتاج إلى المشاركة والخبرة، وربما يكون الوقت قد حان لتقليص الاعتماد على الجيل القديم تدريجياً، حتى لو كان هذا الجيل يضم أسطورة بحجم كريستيانو رونالدو. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة رونالدو أو إنجازاته، بل على العكس؛ فالأساطير تبقى أساطير، والتاريخ لا يُمحى بقرار فني أو مباراة أو جلوس على دكة البدلاء. لكن كرة القدم في النهاية لا تعرف المجاملات، والمنتخب الذي يريد المنافسة والاستمرار في القمة يحتاج إلى اتخاذ قراراته وفق احتياجات المرحلة. وكما تقول الحكمة: لا يستطيع الإنسان، مهما بلغت ثروته، أن يشتري شبابه الذي مضى. ختاماً، من أهم مراحل النضج في حياة الإنسان أن يصل إلى مرحلة الاكتفاء بما حققه، وأن يدرك أن لكل مرحلة رجالها، وأن إفساح المجال للآخرين ليس انتقاصاً من قيمة ما قدمه، بل ربما يكون أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان بعد مسيرة حافلة بالإنجازات. حسين البراهيم-الدمام