على الرغم من النجاحات الميدانية الأوكرانية في استهداف العمق الروسي مؤخراً، فإن كييف باتت في نظر الكثيرين تخسر الحرب فعلياً، فلم يغير فلاديمير بوتين أهداف حربه، ولو بمقدار ذرة واحدة، وما زال مصمماً على مواصلة القتال، في حين لا يملك دونالد ترامب خطة جديدة للسلام سوى إنهاء الحرب الأوكرانية بشروط بوتين بينما تجد أوكرانيا نفسها تنفد منها الأموال والرجال في الميدان، تماماً كما نفدت منها صواريخ «باتريوت» لحماية أجوائها من ضربات الكرملين الممتدة.استنتاجات محبطةوبحسب تقرير نشرته مجلة «ذا سبيكتاتور» البريطانية، فإن هذه هي الاستنتاجات الثلاثة المحبطة التي خرجت بها الجولة الأخيرة من دبلوماسية المكوك في موسكو وكييف التي قادها صهر ترامب، جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والتي تم الترويج لها على أنها تحمل مقترحات جدية لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس في القارة الأوروبية.**media[8099163]**وعشية مغادرتهما، صرّح ترامب بأن مبعوثَيه سيقدمان «خطة جديدة» لأوكرانيا، وسرعان ما تبين عدم وجود مثل هذه المبادرة من الأساس. وبدلاً من ذلك، اكتفى بوتين المبتسم بتركيز حديثه على نقاطه القديمة نفسها بشأن تحرير كامل إقليم دونباس، والإصرار على ضرورة «نزع سلاح» أوكرانيا و«تطهيرها من النازية»، في الوقت الذي يواصل فيه فريق ترامب التركيز على المكاسب التجارية لإنهاء الحرب.سخرية من تفاؤل كوشنيروأشار التقرير إلى أن كوشنر تعرض للسخرية من محللين موالين لكييف بسبب إصراره التفاؤلي على أن ترامب يسعى لإنهاء الحرب باستغلال خلفيته في عالم الأعمال؛ إذ قال كوشنر خلال مؤتمر صحفي في كييف: «الحرب لعبة ذات حاصل سلبي، فالجميع يخسر فيها. أما الأعمال والسلام فهما لعبة ذات حاصل إيجابي».كما تحدث كوشنر عن «طموحات» بوتين لبلاده والتي يمكن تحقيقها بمجرد انتهاء الحرب. وأكد يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية لبوتين ذي الوجه الجاد، أنه «تمت مناقشة القضايا الاقتصادية والمشاريع الروسية-الأمريكية الكبرى والمتبادلة النفع بقدر كبير من التفصيل».وبينما يواصل رجال ترامب التركيز على الجانب التجاري والمكاسب الاقتصادية لإنهاء الحرب يعتبر فولوديمير زيلينسكي المعركة في دونباس بأنها «حرب من أجل البقاء». واعتبر التقرير أن ترامب يُخطئ خطأً جسيماً في اعتقاده بأن إغراء الكرملين بصفقات تجارية سيوثّر بطريقة ما في قراراته، فلو كان بوتين يكترث للاقتصاد الروسي لما شن حربه الشامل في المقام الأول، مبيناً أن الصراع بالنسبة لبوتين، لا يتعلق بالحفاظ على الرفاهية الاقتصادية، بل بالدفاع عن روسيا ضد تهديد وجودي.أوهام النصر الأوكرانيواعتبرت المجلة، أن أحلام زيلينسكي بشأن هزيمة روسيا أو حتى إيقاف تقدم جيشها مجرد أوهام؛ إذ يواصل الكرملين حملته الشرسة في وقت باتت قدرة كييف على الدفاع عن نفسها أصبحت موضع شك جدي. وأشار التقرير إلى أن جزءاً من الكابوس الأوكراني المتصاعد ذو طابع تكتيكي؛ فكل منظومة من منظومات الهجوم الروسية بعيدة المدى أصبحت أكثر تدميراً. كما أن الجيل الجديد من مسيّرات «جيران» الهجومية النفاثة، والتي تُعد أسرع وأكثر دقة بكثير من طرز «شاهد» الإيرانية، يتم نشرها بكثافة. كما تطوّر روسيا المنظومتين الجديدتين من صواريخ كروز منخفضة الكلفة، وتكثف إنتاج الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الجو والأرض.وقال سيرهي بيسكريستنوف، مستشار زيلينسكي لتكنولوجيا الدفاع وأحد أبرز الشخصيات في المؤسسة الدفاعية بكييف، لصحيفة الغارديان: «هذه حرب مدن وبنية تحتية، ولن ينتصر فيها أحد. الهجوم أصبح أقوى من الدفاع»، متوقعاً أن أوكرانيا لن تحصل على صواريخ كافية لحماية مدنها حماية كاملة من الدمار في هذا الشتاء.تعهدات غربية مضللة لأوكرانياواعتبر التقرير أن تعهدات الغرب في بداية الحرب بتقديم «كل ما يلزم» لأوكرانيا كانت مضلِّلة بشكل أساسي، عازياً بذلك الإخفاق الأوكراني إلى عوامل عدة، أبرزها فشل العقوبات الغربية بشكل أساسي، وحرص الغرب على حماية نفسه، والإصرار على إبقاء أسعار النفط منخفضة في عهد إدارة جو بايدن، مبيناً أنه منذ حرب إيران، بسبب تعطش أوروبا للغاز الطبيعي المسال الروسي. وبدلاً من أن تُسحق العقوباتُ القدرةَ الصناعية الدفاعية لروسيا أو تدمرها الضرباتُ الأوكرانية بعيدة المدى، فإن هذه القدرة تتضاعف وتتسارع.45 % من الإيرادات الروسية نحو الإنتاج الحربيولفت التقرير إلى الكلفة الباهظة على الاقتصاد الروسية، حيث يذهب 45% من الإيرادات نحو الإنتاج الحربي. كما تسببت الضربات الأوكرانية في أزمة وقود، وأخرجت 20% من مستودعات شركة «وايلدبيريز» (النسخة الروسية من أمازون) عن الخدمة. لكن بوتين مستعد لدفع هذه الكلفة، كما أعاد التأكيد على ذلك بأوضح العبارات الممكنة لكوشنر وويتكوف.أسباب الفشل الغربيولعل الأزمة الاستراتيجية الأكثر أهمية بالنسبة لأوكرانيا تتمثل في الفشل الثلاثي من حلفائها الأوروبيين:أولاً: أطلقت المملكة المتحدة وأوروبا تصريحات رنانة بشأن العقوبات، بينما أرسلتا عملياً أموالاً لموسكو نظير النفط والغاز تفوق بكثير ما قدمتاه لكييف من مساعدات عسكرية.ثانياً: منع الخوف من التصعيد، وتفضيل دفاع كييف الذاتي الأوروبيين من إرسال صواريخ هجومية (مثل صواريخ «توروس» الألمانية) لاستخدامها ضد أهداف روسية، أو المشاركة المخزونة لبطاريات دفاع «باتريوت» الثمينة.ثالثاً (وهو الفشل الأكثر خطورة): الرفض البات لإشراك الكرملين بشكل جدي في محادثات السلام، والتمسك بفكرة ثابتة ومغلوطة مفادها أن تشجيع أوكرانيا على القتال إلى الأبد سيؤدي بطريقة سحرية ما إلى النصر.واعتبر التقرير أن تعهدات القادة الغربيين المكررة في بداية الحرب والوعود المفتوحة وغير المحددة انتهت إلى تحقيق أسوأ نتائج؛ إذ اقتنع الكرملين المصاب أصلاً بأنه يقاتل «الغرب الجماعي»، في حين واصل هذا الغرب نفسه شراء نفط وغاز الكرملين، ونقله على متن سفنه.واعتبر التقرير أن لحظة الحقيقة جاءت عندما اصطدمت تلك الوعود بقسوة بالواقع، فتشكلت في النهاية أزمة مالية كبيرة في كييف؛ إذ أعلن رئيس الوزراء سيرهي كوريتسكي مؤخراً أن بلده أنفق معظم أموال الدفاع لعام 2026، ويواجه فجوة ميزانية تبلغ 26 مليار يورو، على الرغم من القرض الأخير البالغ 90 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي.وكان هذا القرض، الذي تم تأمينه بعد أشهر من المساومات في بروكسل، يمثل الحد الأقصى لما يمكن للاتحاد الأوروبي جمعه واقعياً.ومع دخول أوكرانيا الشتاء الأشد والأقسى في هذه الحرب، فإنها على وشك أن تنفد ليس فقط من صواريخ باتريوت، والرجال في خطوط الجبهة، بل وأيضاً من الأموال لمواصلة القتال.فضائح فساد تعصف بأوكرانياولفت التقرير إلى أن زيلينسكي واجه في الوقت نفسه عاصفة سياسية في الداخل، بسبب سلسلة من فضائح الفساد المتواصلة، والتي كان أحدثها القبض على نائب النائب العام بتهمة حماية مراكز الاحتيال عبر الإنترنت، وهو ما أضعف الثقة بإدارة زيلينسكي بشدة. كما يقبع في السجن حالياً عشرات من الكوادر البارزة من فريقه، أو قيد التحقيق، أو فروا إلى الخارج.كما تسبب إطلاق نار في أحد شوارع كييف بين فصائل متنافسة من جهاز الأمن الأوكراني (SBU) والاستخبارات العسكرية (HUR) إلى تساؤل العديد من الأوكرانيين عما إذا كانت بلادهم تنزلق مجدداً نحو عصابات تسعينات القرن الماضي.وكشف تحقيق لـ«نيويورك تايمز»، أن نظام المشتريات العسكرية في أوكرانيا عانى عمليات احتيال وهدر وسوء إدارة جسيمة خلال الحرب؛ حيث أظهرت عمليات التدقيق السرية أنه في عام 2024 وحده، تم فقدان نحو 1.2 مليار دولار بسبب المبالغة في الأسعار والعقود الفاسدة.الأوكرانيون: الفساد أخطر من روسياوتكشف استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة SOCIS، أن أغلبية الأوكرانيين يعتبرون الفساد تهديداً لبلدهم أكثر خطورة من روسيا، وأن ما يقرب من 57% من الأوكرانيين يلومون زيلينسكي على تفشي الفساد، وهو ضعف العدد تقريباً في استطلاع مماثل أُجري في إبريل 2025. وتتوقع استطلاعات الرأي نفسها أن ثلاثة منافسين مختلفين سينتصرون عليه في جولة إعادة الانتخابات، وبفارق ساحق يبلغ ضعف الأصوات تقريباً لكل منهم.ما الذي يمكن أن ينقذ أوكرانيا من الانهيار السياسي والعسكري؟وعلى الساحة الأوربية، اتضح أن التابو السياسي الأوروبي بشأن التحدث إلى بوتين بدأ في التصدع؛ إذ دعت أليس فايدل من حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الفائزة حديثاً في انتخابات ساكسونيا، إلى «فتح قناة مباشرة مع روسيا للوصول إلى التفاهم وتحقيق حل سلمي».وقالت يوليا منديل، السكرتيرة الصحفية لزيلينسكي من 2019 إلى2021: «قوى جديدة تتصاعد، وتزداد قوة، وهي فرصتنا الوحيدة لأوروبا سلمية.. المزيد من الأسلحة لن ينقذنا، ولم تفعل ذلك قط».ويعد الحوار بين العدوين اللدودين بحسب المجلة، أفضل من القطيعة، خاصة في حرب تحولت إلى معركة استنزاف طاحنة على الأرض؛ حيث حوّل الطرفان جهودهما الاستراتيجية إلى مواجهة طويلة المدى يتنافسان فيها على تدمير مدن بعضهما البعض وبنيتهما التحتية الحيوية. لكن الواقع أن كل عرض سلام متتالٍ أسوأ لكييف من سابقه. ويبدو أن نية بوتين الواضحة هي تسوية الحرب بشروطه الخاصة، خاصة في ظل امتناع ترامب منذ فترة طويلة عن فكرة دعم النصر الأوكراني الكامل، في ظل الفشل الأوروبي في تقديم خطة ملموسة لمساعدة أوكرانيا، أو سحق الاقتصاد الروسي.**media[8099153]**