هل تهتم بآراء الآخرين وتجاربهم؟ – عبد الله سليمان الطليان

نحن لا نعيش حياتنا في فراغ، ولا نستطيع أن نخوض كل التجارب بأنفسنا. فالحياة مليئة بالمواقف والاختيارات، وفي كل تجربة ناجحة أو فاشلة درس يمكن أن نستفيد منه. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل نهتم بآراء الآخرين وتجاربهم، أم أننا لا نثق إلا بما نجربه بأنفسنا؟

الأمر لا يتعلق بشؤون الحياة اليومية فقط، وإنما يمتد إلى الأخلاق والعلم والعمل والعلاقات والتجارة وتكوين الشخصية. فالإنسان منذ نشأته يتعلم من الآخرين؛ يتعلم الأخلاق من أسرته ومجتمعه، ويتعلم العلم من معلميه وكتبه، ويتعلم المهنة من أصحاب الخبرة، ويكتسب كثيراً من مهارات الحياة من التجربة والملاحظة.

لكن الاستفادة من تجارب الآخرين لا تعني أن نصدق كل رأي أو نتبع كل تجربة؛ فهناك فرق كبير بين الاستفادة من تجربة الإنسان وبين تسليم العقل لها.

في مجال الأخلاق، نجد أن المجتمعات البشرية راكمت عبر التاريخ تجارب طويلة حول الصدق والأمانة والوفاء والعدل واحترام الآخرين. فالإنسان الذي يتعلم من أخطاء من سبقوه يوفر على نفسه كثيراً من الألم.

قد يرى الشاب مثلاً أن الغضب وسيلة لفرض شخصيته، ثم يكتشف مع مرور الوقت أن كلمة قيلت في لحظة غضب قد تهدم علاقة استمرت سنوات. وهنا تصبح تجارب الآخرين مصدراً مهماً للتعلم قبل أن يدفع الإنسان بنفسه ثمن التجربة.

أما العلم فهو أوضح مثال على أهمية تجارب الآخرين. فالعالم لا يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يبني على ما سبقه من معرفة وتجارب واكتشافات.

ولو كان كل إنسان يرفض الاستفادة من تجارب من سبقوه، لاضطر كل جيل إلى إعادة اكتشاف ما اكتشفه الجيل السابق.

وهنا يظهر دور الذكاء والثقافة؛ فالشخص الذكي لا يجمع المعلومات فقط، وإنما يعرف كيف يميز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة، وبين التجربة التي يمكن تعميمها والتجربة التي ارتبطت بظروف خاصة.

الذكاء والثقافة... كيف نفهم تجارب الآخرين؟

وهنا نصل إلى عنصر بالغ الأهمية في التعامل مع آراء الآخرين وتجاربهم، وهو العلاقة بين الذكاء والثقافة.

فالإنسان لا يستفيد من تجارب الآخرين لمجرد أنه سمعها، وإنما يستفيد منها بقدر ما يمتلك من قدرة على الفهم والتحليل والمقارنة.

فكلما اتسعت ثقافة الإنسان، أصبح لديه رصيد أكبر من المعرفة والتجارب والمعلومات التي يستطيع أن يقارن بينها. وكلما ارتفعت قدرته على التفكير والتحليل، أصبح أكثر قدرة على معرفة ما يناسبه مما لا يناسبه، وما هو رأي شخصي وما هو حقيقة، وما هي تجربة يمكن الاستفادة منها وما هي تجربة ارتبطت بظروف خاصة.

فقد يستمع شخصان إلى النصيحة نفسها، ويقرآن الكتاب نفسه، ويشاهدان تجربة الشخص نفسه، لكنهما قد يخرجان بنتائج مختلفة؛ والسبب أن المعلومة واحدة، بينما طريقة التفكير مختلفة.

والذكاء هنا لا يعني سرعة البديهة أو القدرة على حل المسائل فقط، وإنما يعني القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة: لماذا نجح هذا الشخص؟ وما الظروف التي ساعدته؟ ولماذا فشل الآخر؟ وهل يمكن أن تتكرر التجربة في بيئة مختلفة؟ وما الجزء الذي يمكنني الاستفادة منه في حياتي؟

أما الثقافة، فهي التي تجعل لدى الإنسان خلفية أوسع تساعده على وضع التجربة في سياقها. فالشخص المثقف لا ينظر إلى قصة نجاح تجاري مثلاً بمعزل عن الاقتصاد والسوق والظروف الاجتماعية، ولا ينظر إلى سلوك إنساني بمعزل عن التربية والبيئة والثقافة التي نشأ فيها.

ومن هنا يمكن القول إن الذكاء من دون ثقافة قد يملك القدرة على التفكير لكنه يفتقر إلى المادة التي يفكر فيها، والثقافة من دون قدرة على التفكير قد تتحول إلى مجرد معلومات محفوظة لا تتحول إلى وعي.

ولهذا، فإن الإنسان الأكثر قدرة على الاستفادة من تجارب الآخرين هو الذي يجمع بين الاثنين: ثقافة توسع نظرته، وذكاء يساعده على تحليل ما يراه ويسمعه.

لا يمكن فصل الإنسان عن البيئة التي يعيش فيها. فالشخص الذي نشأ في أسرة تهتم بالعلم قد تكون لديه فرص ومعارف مختلفة عن شخص نشأ في بيئة لا تهتم بالتعليم.

والشخص الذي عاش في بيئة تجارية منذ طفولته قد يمتلك خبرة في البيع والشراء وإدارة المال تختلف عن شخص لم يقترب من التجارة إلا في مرحلة متأخرة من حياته.

وهذا يفسر لماذا قد ينجح أسلوب معين مع شخص ويفشل مع شخص آخر.

فالتجارب لا تنتقل دائماً كما هي؛ بل تنتقل دروسها، ثم يعيد الإنسان صياغتها وفق ظروفه الخاصة.

ولعل التجارة والمال هما أكثر المجالات التي تظهر فيها أهمية تجارب الآخرين في عصرنا الحالي.

فمع اتساع النشاط التجاري وكثرة المشاريع والاستثمارات، أصبح الإنسان يسمع يومياً عن قصص نجاح وأخرى عن خسائر وإفلاس، وعن أشخاص بدأوا من الصفر ووصلوا إلى النجاح، وآخرين خسروا أموالاً كبيرة بسبب قرار واحد.

لكن المشكلة أن البعض يرى نجاح الآخرين ولا يرى الطريق الذي سبق هذا النجاح.

قد يسمع شخص أن فلاناً دخل مجالاً تجارياً وحقق ثروة، فيندفع إلى تقليده دون أن يسأل: ما رأس المال؟ وما الخبرة؟ وما ظروف السوق؟ وما المخاطر؟ وهل البيئة التي نجح فيها ذلك الشخص تشبه بيئتي؟

وهنا لا تكفي تجربة الآخر وحدها، بل يجب أن نضيف إليها العقل والتحليل والمعرفة بالظروف.

الاستماع إلى الآخرين فضيلة إذا صاحبه وعي، لكنه قد يتحول إلى مشكلة عندما يصبح الإنسان تابعاً لكل رأي يسمعه.

فليس كل صاحب تجربة خبيراً، وليس كل مشهور ناجحاً في المجال الذي يتحدث عنه، وليس كل قصة نجاح تصلح لأن تكون وصفة للنجاح.

من صاحب التجربة؟ وما ظروفها؟ وما الذي يمكن أن أتعلمه منها؟ وما الذي لا يناسبني؟

وهنا تلتقي الثقافة والذكاء والخبرة؛ فالثقافة تمنح الإنسان المعرفة، والذكاء يساعده على التحليل، والتجربة تمنحه القدرة على اختبار ما تعلمه.

إن الاهتمام بآراء الآخرين وتجاربهم ليس ضعفاً في الشخصية، بل قد يكون علامة على النضج. فالإنسان الحكيم لا يقول: «سأجرب كل شيء بنفسي»، لأن بعض التجارب ثمنها غالٍ، وبعض الأخطاء لا يمكن إصلاح نتائجها بسهولة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يقول: «سأفعل ما يقوله الآخرون»، لأن لكل إنسان ظروفه وقدراته وبيئته. والقاعدة الأفضل ربما هي:

استمع إلى تجربة غيرك، افهمها، ناقشها، ثم مررها عبر عقلك وثقافتك قبل أن تجعلها قراراً في حياتك.

فالحياة مدرسة كبيرة، وتجارب البشر صفحاتها، والثقافة تمنحنا القدرة على قراءة هذه الصفحات، والذكاء يساعدنا على فهمها ونقدها، أما الحكمة فهي أن نعرف متى نأخذ بتجربة الآخرين ومتى نصنع تجربتنا الخاصة.

نحن لا نعيش حياتنا في فراغ، ولا نستطيع أن نخوض كل التجارب بأنفسنا. فالحياة مليئة بالمواقف والاختيارات، وفي كل تجربة ناجحة أو فاشلة درس يمكن أن نستفيد منه. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل نهتم بآراء الآخرين وتجاربهم، أم أننا لا نثق إلا بما نجربه بأنفسنا؟

الأمر لا يتعلق بشؤون الحياة اليومية فقط، وإنما يمتد إلى الأخلاق والعلم والعمل والعلاقات والتجارة وتكوين الشخصية. فالإنسان منذ نشأته يتعلم من الآخرين؛ يتعلم الأخلاق من أسرته ومجتمعه، ويتعلم العلم من معلميه وكتبه، ويتعلم المهنة من أصحاب الخبرة، ويكتسب كثيراً من مهارات الحياة من التجربة والملاحظة.

لكن الاستفادة من تجارب الآخرين لا تعني أن نصدق كل رأي أو نتبع كل تجربة؛ فهناك فرق كبير بين الاستفادة من تجربة الإنسان وبين تسليم العقل لها.