ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: ما حكم تنظيم الأسرة؟ وهل يتعارض مع الإيمان بأنَّ الله تعالى هو المُدبِّر للأرزاق والآجال، أم يُعدُّ من باب الأخذ بالأسباب لتحقيق المصلحة؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن تنظيم الأسرة، أو ما يُعْرَف بـ"تنظيم النسل" هو: أن يتخذ الزوجان باختيارهما واقتناعهما الوسائل الطبية أو الطبيعية التي من شأنها تقليل احتمال حدوث الحمل أو منعه لوقت معين، من أجل تحقيق مصلحة معتبرة للأسرة أو للأم أو للطفل.
وأشارت إلى أن استخدام وسائل منع الحمل المختلفة لتنظيم الأسرة وفق المعنى المذكور أمرٌ جائزٌ شرعًا ما دام هناك أسباب معتبرة تدعو إليه، وذلك بالقياس على جواز "العزل" -وهو عدم إنزال الرجل المني أثناء الجماع داخل فرج زوجته حتى لا تَحْمَل-، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا» أخرجه الإمامان: البخاري، ومسلم واللفظ له.
واستدلالًا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى إباحة العزل ما لم يترتب عليه ضرر، وبشرط رضا الزوجين، فلا يجوز لأيٍّ منهما منع الحمل دون رضا الآخر.
أمَّا اشتراط رضا الزوجين؛ فلما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» أخرجه الإمام ابن ماجه.
وأمَّا اشتراطُ انتفاء الضرر؛ فلقول الله عزَّ وجلَّ في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ولما رُوِي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الإمامان: ابن ماجه واللفظ له، والطبراني في معجميه "الكبير" و"الأوسط".
وأوضحت دار الإفتاء أنه لابُدَّ في استخدام أيِّ وسيلةٍ من وسائل منع الحمل من أن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، فاستخدام الوسيلة غير المناسبة أو استخدام الوسيلة بشكل خطأ يضر بالصحة، كما أنَّه يتوقَّف اختيار الوسيلة المناسبة على صحة كل فرد وتفضيلاته واحتياجاته، وذلك كما أفادته منظمة الصحة العالمية (WHO) في "نشرة حقائق: وسائل تنظيم الأسرة- منع الحمل".
وأكدت أنه لا يتعارض تنظيم الأسرة مع الإيمان بأن الله تعالى هو المُدبِّر للأرزاق والآجال، ولا يُعَدُّ اعتراضًا على مشيئته سبحانه؛ لأنَّه لا يعدو كونه سببًا من الأسباب المباحة التي يتخذها المرءُ للوصول إلى مبتغاه أو لتجنب ما يضره، ما دام ذلك لا يخرج عن سياج الشرع وضوابطه.
وذكرت دار الإفتاء أنه مِن المعلوم أنَّ الأخذَ بالأسباب لا يتنافى مع مشيئة الله سبحانه وتعالى مِن كَوْنِهِ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُۥ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 49- 50]؛ لأنَّ الأسباب التي قضى اللهُ تعالى أن تكونَ سببًا لمُسَبَّبَاتِهَا لا تَخرُجُ عن تدبيرِهِ ومشيئتِهِ، بل هي مِن جُملة خَلقِه وإرادتِه، كما أنَّها في نَفسها لا تَستَقِلُّ بالتأثيرِ، بل هي مُفتَقِرَةٌ لأمرِ اللهِ تعالى؛ إذ قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، وقال جَلَّ شأنُه: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٍ﴾ [الزمر: 62].
وأضافت أن العزلُ -وما في حكمه- من جملة الأسباب التي لا تستقلُّ بالتأثير، ولا تخرج عن سلطان المشيئة والتقدير، ففي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنَّ لي جارية، هي خادِمُنَا وسانِيَتُنَا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: «اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا»، فلَبِثَ الرجل، ثم أتاه، فقال: إنَّ الجارية قد حَبِلَت، فقال: «قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» أخرجه الإمام مسلم.
كما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا لم ينهَ أصحابه عن العزل مع علمه به، واختلاف أغراض الناس فيه، دلَّ ذلك على عموم إباحته، وأنَّه يشمل من يعزل لقلة المال، أو كثرة الولد التي قد تشغل عن تمام الرعاية، ولا يصح تخصيص هذا العموم ولا تقييده بوجهٍ دون وجهٍ إلَّا بدليلٍ شرعي.
وبناءً على ذلك: فتنظيم الأسرة -أو ما يُعرَف بـ"تنظيم النسل"- أمرٌ جائز شرعًا ولا حرج فيه، بشرط موافقة الزوجين عليه، وألَّا يترتَّب على استخدام وسائله ضرر على الصحة في العاجل أو الآجل، وأن يتم تحت إشراف الطبيب المختص. ولا يتعارض هذا التنظيم مع الإيمان بأنَّ الله تعالى هو المُدبِّر للأرزاق والآجال، ولا يُعَدُّ اعتراضًا على مشيئته سبحانه؛ لأنَّه لا يعدو كونه سببًا من الأسباب المباحة التي يتخذها المرءُ للوصول إلى مبتغاه أو لتجنب ما يضره، ما دام ذلك لا يخرج عن سياج الشرع وضوابطه.