قالت دار الإفتاء المصرية، إن الزواج سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي رغَّب فيها، ونَهَى عن الإعراض عنها، وتأخُّرُ الزواج قد يكون ابتلاءً مِن الله عَزَّ وَجَلَّ لمَن هو راغِبٌ فيه، باذِلٌ ما في وُسْعِهِ لإيجاد مَن يناسبُ حالَهُ.
وأوضحت " الإفتاء " في إجابتها عن سؤال: هل في تأخر الزواج لمن يرغب فيه ابتلاء من الله تعالى؟ ، أنه على مَن ابْتُلِيَ بتأخر الزواج أن يَصبِرَ ويَحتَسِبَ ويَستعينَ بالله تعالى، ولا ييأس مِن رحمته به سبحانه، آخذًا بالأسباب الموصِّلة إلى مراده، مراعيًا في ذلك البحث عمن يناسب حالَهُ، مع الرضا بما قدَّره اللهُ له مِن حال يُسْرٍ وَسَعَةٍ، أو عُسْرٍ يُفَرِّجُهُ اللهُ عنه قريبًا إن شاء سبحانه وتعالى.
وأضافت أن الأصل في الزواج أنه شُرعَ لمن قدر عليه وتاقت نفسه إليه؛ لما فيه من إعفاف النفس، وطلب النسل، وغض البصر، وحفظ الفرج، فعن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» متفقٌ عليه.
وتابع: المراد هنا بالبَاءَةِ: مُؤَنُ النكاحِ، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: مَن استطاع منكم مُؤَنَ النكاح فليتزوج، كما في "شرح الإمام النَّوَوِي على صحيح الإمام مُسْلِمٍ" (9/ 173، ط. دار إحياء التراث العربي)، فمَن مَلَك مُؤَن النكاح وتكاليفه.
وأردفت: وكان قادرًا عليه بدنيًّا ونفسيًّا فإنه يُستحب في حقه النكاح، حتى يتحقق له المقصود الأعظم منه، مِن حصول المودة والرحمة، وقضاء شهوته في الحلال، وإنجاب الذرية، وصِيَانَة الأعَرَاضِ والحُرُماتِ، وحفظ الأحسابِ والأنسابِ، وغير ذلك من الأمور التي لا تتحقق إلا بالزواج.
واستطرد: أما غير القادر على مُؤَنِ النكاح، أو القادر فقط على ضروريات الحياة، مع تَوقِهِ إلى النكاح، ومع أخذه بالأسباب المتاحة مِن السعي وخلافه لا يخلو من ابتلاءٍ له، ولا يَسَعُهُ في هذه الحال إلَّا قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33].
واستند لما قال الإمام الطَّبَرِي في "جامع البيان في تأويل القرآن" (19/ 166، ط. مؤسسة الرسالة): [﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ﴾ ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرَّم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله، ويوسِّع عليهم من رزقه] اهـ.
ونبهت إلى أن الابتلاء من أقدار الله تعالى ورحمته، يجعل في طياته اللطف، ويسوق في مجرياته العطف، وكثيرًا ما تحمل المِحَن في ثناياها المِنَح، وفي حَنَايَاهَا العطايا والهِبَاتِ والنِّحَل، فكلُّ ما يصيب الإنسان من ابتلاءات هي في حقيقتها رِفعةٌ في درجة المؤمن وزيادة ثوابه ورفع عقابه، حتى الشوكة تُصيبه.
واستشهدت بما ورد عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» أخرجه الإمام مُسْلِمٌ في "صحيحه". وهذا يقتضي حصول الأمرين معًا: حصول الثواب، ورفع العقاب كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى.
وأشارت إلى أن تيسيرُ أمرِ الزواج من عدمه إنما هو مُراد الله عَزَّ وَجَلَّ، ورزقه يُقدِّره ويسوقه لمن يشاء، وقتما يشاء، بالكيفية التي يشاء، شأنه في ذلك شأن كافة الأرزاق والأقدار السارية في الكون كله، فعلى من ابتلي بتأخر أمرٍ من الأمور كالزواج أو غيره أن يصبر ويحتسب، ويعلم أن مراد الله له خير، فما أعطى سبحانه أحدًا شيئًا إلا لحكمةٍ، وما منع عنه إلا لرحمةٍ، وكل الأمور خيرٌ للمؤمن إذا رضي وصبر.
وبينت أنه يدل لذلك ما ورد عن صُهَيبِ بن سِنَان الرُّومِي رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وآله وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
وأفادت بأنه على المسلم مع الصبر أن يجتهد في إعفافِ نفسه، وغض بصره، والاستعانة بالصوم متى قدر عليه على كبح جماح شهوته؛ إذ بالطعام يقوى البدن، وتقوى معه شهوة النكاح، وبالصوم يضعف، وتضعف وتُكبَحُ معه شهوة النكاح.
وواصلت: كما وجَّه إلى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث السابق ذكره عن عبد الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه بقوله: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» متفق عليه. والمعنى المراد بقوله «وِجَاءٌ»: أنَّه مُضْعِفٌ للشهوة قَاطِعُهَا. ينظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" للعلامة ابن الأَثِير (5/ 152، ط. المكتبة العلمية)، و"تاج العروس" للإمام المُرْتَضَى الزَّبِيدِي (1/ 482، ط. دار الهداية).
ودللت بما قال الحافظ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِي في "فتح الباري" (9/ 111) معلقًا على الحديث: [وفي الحديث أيضًا إرشاد العاجز عن مُؤَنِ النكاح إلى الصوم؛ لأنَّ شهوة النكاح تابعةٌ لشهوة الأكل، تقوى بقوته وتضعف بضعفه] اهـ.
وأكملت: وأيضًا فإن في الصوم مع إضعاف الشهوة حُصول ثواب العبادةِ ورياضة للنفسِ؛ حيث يمنع الصائم نفسه عن المباحات كالطعام والشراب في وقت معين، فيتحقق بذلك تأديبٌ للنفس حتى تمتنع بترك الحلال واجتنابه في بعض الوقتِ عن فعل الحرام واقترافه في كلِّ وقتٍ، فيحصلُ بذلك كله طاعة العبد المؤمن وامتثاله لأوامر مولاه عَزَّ وَجَلَّ.
واستدلت بما قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" معلقًا على حديث عبد الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه السابق ذكره (2/ 607، ط. دار الفكر): [«فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أي: قاطعٌ للشَّهوةِ مع ما فيه من سلامة النَّفْسِ من التَّعْذِيبِ وقطع النَّسلِ، ومن حُصُولِ الثَّواب بالصِّيام المقتضِي لرياضةِ النَّفْسِ المؤَدِّيَةِ إلى طاعتها لأمر مولاها] اهـ.
ونوه بأنه لا يعني تأخر أمر يطلبه الإنسان أن يصيبه باليأس أو الإحباط، وإنما عليه أن يتعبد الله تعالى بحسن الظن به، مع الأخذ بالأسباب الموصلة إلى مراده من أمر الزواج، كما أنَّ الإعسار في الحال لا يمنع التزوُّج؛ لاحتمال حصول المال في المآل، لذلك رغَّب الله تعالى عباده في التزويج، وأمر به بني الإنسان، ووعدهم فيه الغِنَى مِن فضله.
ولفت إلى أن ذلك في نحو قوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]، وقد بَيَّنَ الحقُّ سبحانه وتعالى أنَّ الزواج آية من آياته، ولم يجعل مَبناهُ مقصورًا على الحالة الماديَّة، وإنما جعل أساسه المودة والرحمة، وحصول السكن الجسدي والسكينة القلبية بين الزوجين، وكل هذه الأمور لا علاقة لها بالمال من قريب أو بعيد.