هل “باشان” هو الإسم الحقيقي لجبل السويداء؟ – جريدة الأنباء الإلكترونية

كتب راعي "كنيسة نور العالم الانجيلية" في لبنان، القس باسل قانصو:

ليست الأسماء مجرّد تسميات عابرة، بل هي مفاتيح لفهم التاريخ، ومرايا تعكس هوية المكان وسكّانه. وكلّما تعمّقنا في دراسة اسمٍ ما، اكتشفنا أنّه يحمل في داخله طبقات من السرديات، بعضها أصيل ومتجذّر، وبعضها الآخر طارئ ارتبط بمرحلة زمنية محدودة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض الأسماء المتداولة بشكلٍ علمي موضوعي، ومن بينها إطلاق اسم "باشان" على جبل السويداء.

برز اسم باشان في الجغرافيا التاريخية لترحال شعب إسرائيل في سفر العدد، والتثنية، ويشوع، وكان أول ظهور له في سفر العدد حينما قام (عوج) ملك باشان وشعبه بمهاجمة بني إسرائيل في رحلة توجّههم إلى أرض آبائهم. وتقول الآية في سفر العدد 21: 33 من الكتاب المقدس (ترجمة فاندائك): "ثُمَّ تَحَوَّلُوا وَصَعِدُوا فِي طَرِيقِ بَاشَانَ. فَخَرَجَ عُوجُ مَلِكُ بَاشَانَ لِلِقَائِهِمْ هُوَ وَجَمِيعُ قَوْمِهِ إِلَى الْحَرْبِ فِي إِدْرَعِي" - ادرعي التي هي درعا حالياً – هي مكان القضاء على آخر ملوك الرفائيين ودولتهم فيما كان يسمى مملكة باشان، حيث يذكر النص في الآية اللاحقة رقم 35 من نفس السفر والإصحاح "فَضَرَبُوهُ وَبَنِيهِ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ شَارِدٌ، وَمَلَكُوا أَرْضَهُ. "عد 21: 35".

وبعد ذلك يتوالى ذكر باشان حوالي الستون مرة في الكتاب المقدس في دلالات وصور روحية معظمها مناهض لإله إسرائيل في الكتاب المقدس، وأحداث تروى عبر استخدام اللفظ ما سيغنمه إسرائيل، وما سوف يبيد. فعلى سبيل المثال لا الحصر تكرار وصف ما بقي من آثار باشان بمقاومة الله، أو معاندته، أو التشامخ أمامه، ومنها: اسْمَعِي هذَا الْقَوْلَ يَا بَقَرَاتِ بَاشَانَ الَّتِي فِي جَبَلِ السَّامِرَةِ، الظَّالِمَةَ الْمَسَاكِينِ، السَّاحِقَةَ الْبَائِسِينَ، الْقَائِلَةَ لِسَادَتِهَا: «هَاتِ لِنَشْرَبَ». (عا4:1) وفي نبوة عن المسيا الآتي يصف الأشرار حوله: أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي."مز 22: 12 وأيضاً: وَلْوِلْ يَا بَلُّوطَ بَاشَانَ، لأَنَّ الْوَعْرَ الْمَنِيعَ قَدْ هَبَطَ".

زك 11: 2، وأيضاً حينما يذكر كلمة جبل، ويسمّيه جبل الله، يستخدمه للتحذير بسبب التشامخ مهدداً بقوة الله، ومعلناً جبروته فيقول: جَبَلُ اللهِ، جَبَلُ بَاشَانَ. جَبَلُ أَسْنِمَةٍ، جَبَلُ باشان،٠ لماذا أَيَّتُهَا الْجِبَالُ الْمُسَنَّمَةُ تَرْصُدْنَ الْجَبَلَ الَّذِي اشْتَهَاهُ اللهُ لِسَكَنِهِ؟ بَلِ الرَّبُّ يَسْكُنُ فِيهِ إِلَى الأَبَدِ. مَرْكَبَاتُ اللهِ رِبْوَاتٌ، أُلُوفٌ مُكَرَّرَةٌ. الرَّبُّ فِيهَا. سِينَا فِي الْقُدْسِ. مز 86: 15-17 وهنا يلفت إلى غيرة القمم في تلال باشان من جبل صهيون، أو جبل حرمون، ويعلن تفوّق الله بألوف مركباته من التلال المعاندة له.

يلفت انتباهي هنا سؤال محيّر: ما هي الفائدة من إعادة إسقاط اسم ذُكر منذ أكثر من 3400 سنة، زمن كتابة سفر العدد الذي لا يدل إلّا على عداوة مع شعب إسرائيل المقصود بالأصل من خلال التسمية التودد لهم؟ وكيف يصدر الإسقاط من أشخاص لم يكن لهم وجود حينها، ونزحوا إلى هذا المكان الجغرافي بأكثريتهم من لبنان على دفعات ليس بأبعد من سنة 1711م بحسب موسوعة بريتانيكا؟

فإذاً، هل كلمة باشان هي نفسها جبل السويداء حالياً؟

وهذا حتماً يأخذنا إلى معنى الاسم في اللغة الأصلية. في اللغة العبرية: הַבָּשָׁן -اسم عبري ومعناه "أرض مستوية أو ممهدة" وهي مقاطعة في أرض كنعان واقعة شرقي الأردن بين جبلي حرمون وجلعاد (عد 21: 33). فبدراسة الاسم والمعنى الملازم للاسم ينتفي اسم باشان بالمطلق عن منطقة محصورة بعينها. ونحن نعرف أنّ الأراضي كانت تسمى في الكتاب المقدس بناءً على شكلها، أو اسم ساكنها، أو صاحبها. إنّ طبيعة ما يعرف الآن إلى الأمس القريب بجبل العرب هو ذو طبيعة جبلية واضحة وكتلة بركانية مرتفعة، وحدود جغرافية محدّدة نسبيًا ومركز سكاني وثقافي مميز ومعروف. فإذاً نستنتج أنّنا أمام كيان جغرافي مختلف تمامًا من حيث الطبيعة والتحديد، والتطابق بين الاثنين غير دقيق، بل هو تعميم مفرط.

إنّ تردّد منطقة باشان في الكتاب المقدس في عدة نصوص أخرى يُظهر أنّ "باشان" كانت: منطقة واسعة معروفة بالخصب والمراعي، مرتبطة بالسهول والثروة الحيوانية، وهي ذات امتداد جغرافي غير محدد بدقة، أي أنّها إقليم لا "جبلًا محددًا" مطابقًا لما يعلَن اليوم. فإذاً تمتد باشان المنقرضة من شرق نهر الأردن، وتشمل مناطق من الجولان، وسهل حوران، وأجزاء من جنوب سوريا وشمال الأردن، ولا توجد حدود دقيقة، أو ذكر لجبل محدّد باسم منفصل داخلها. لذا يغلب استنتاج الدارسين للكتاب المقدس أنّ "باشان" منطقة واسعة، وليست وحدة جغرافية دقيقة، وقد تغيّرت مرات عدة حسب القصد والوصف المراد إيصاله بالنص المقدس. وأيضًا قد يكون جبل باشان أحد مناطقها الصغيرة، والذي هو مختلف عليه إن كان جنوب الجولان وجنوب أدرعي، أو شرق أدرعي المعروفة بدرعا حالياً.

فإذا كانت البلاد سوف تعود لتحيا بعد 3426 سنة تقريباً، علينا ان نفتّش على ملك عوج آخر غير الذي قتله الإسرائيليون، ونجمع شمال غرب المملكة الأردنية الهاشمية، والجولان، وحوران، وربما مع جبل العرب ومناطق أخرى ونطلق عليها الباشان لتتناسب أكثر مع الذكر القديم في العهد القديم.

يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.

يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.

القيادة المركزية الأميركية: غيرنا مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار البحري على إيران

إعلام إيراني: تقارير عن وقوع انفجار في محيط مضيق هرمز

بالفيديو| باسم السبع عن "قدر في هذا المشرق": لولا وليد جنبلاط لغرقت الطائفة الدرزية في الموج الإسرائيلي

"الأشغال" تستنفر لمواجهة الأمطار.. وإجراءات بحق المقاول في المكلّس

"الأشغال": لن نتهاون مع أي تقصير أو إهمال حصل في المكلس وسنتخذ التدابير اللازمة بحق المقاول

منتخب لبنان بثوب جديد.. بوقرّة يفتح الباب أمام جيل شاب