الاقتصاد الكندي لا ينهار، ولكنه يتآكل ببساطة. فبعد تحمّله ركوداً تقنياً طفيفاً على مدار الربعين الماضيين، انقسم المحللون الاقتصاديون في البلاد إلى معسكرين، يركز المتفائلون على سوق عمل مرن، وتوقف في رفع أسعار الفائدة، ومعدل تضخم يستقر بارتياح قرب مستهدف البنك المركزي عند استبعاد تكاليف الطاقة المتقلبة.أما المتشائمون فيرون تدهوراً هيكلياً، وأمة تخنقها جبال هائلة من ديون الأسر، وفجوة إنتاجية خطرة تتسع يوماً بعد يوم. والحقيقة، كما هي الحال دائماً، تقع في مكان ما في الوسط الفوضوي، فكندا ليست في حالة سقوط حر كارثي، لكنها محاصرة في حالة من الركود المطول الذي يهدد ازدهارها المستقبلي.كانت الهوية الاقتصادية الكندية لعقود طويلة، ترتكز على الاستقرار. وفي حين كانت الولايات المتحدة تتأرجح بحدة بين دورات الانتعاش والكساد، كانت كندا تفتخر بنظامها المصرفي المحافظ، ومؤسساتها العامة القوية، وثرواتها الطبيعية. اليوم، يبدو هذا الاستقرار أشبه بالجمود. وتواجه البلاد واقعاً مؤلماً يشعر فيه المواطن العادي بفقر متزايد، رغم الأرقام الرئيسية التي تُظهر بلداً مستقراً من الناحية التقنية.ولفهم عمق الأزمة الاقتصادية في كندا، يتعين علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من التصنيفات الثنائية مثل «الركود» أو «التعافي»، وأن نتأمل في الرياح المعاكسة الهيكلية التي تعيق تقدم البلاد.تأتي في المقام الأول الحرب التجارية المتصاعدة مع الولايات المتحدة. لطالما كان النبض الاقتصادي لكندا متزامناً مع جارتها الجنوبية. لكن المناخ الحالي من الرسوم الجمركية المتبادلة حوّل الزكام إلى مرض مزمن. فقد تراجع الاستثمار التجاري لخمسة أرباع متتالية، ودخلت الشركات الكندية في وضع الجمود، حيث تحرص على كنز السيولة وتجميد نشر رأس المال لأنه لا أحد يعرف كيف ستكون قواعد التجارة عبر الحدود في المدى القريب. وتتحمل قطاعات رئيسية مثل تصنيع السيارات والصلب العبء الأكبر من هذا الاحتكاك الجيوسياسي. وعندما ترفض الشركات الاستثمار في الآلات الجديدة والبرمجيات والمرافق، فإنها تضحي بالنمو المستقبلي.ويغذي هذا النقص في الاستثمار نقطة ضعف كندا المزمنة، أي أزمة الإنتاجية الحادة. فالعمال الكنديون متعلمون تعليماً عالياً، ومع ذلك فإن إنتاجية العامل تتخلف بشكل كبير عن الولايات المتحدة والدول المثيلة الأخرى. وبدلاً من الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا والملكية الفكرية، تدفقت رؤوس الأموال في كندا على مدى العقدين الماضيين نحو فئة أصول غير منتجة وقائمة على المضاربة هي العقارات السكنية.ومن خلال ربط جزء هائل من الثروة الوطنية بالإسكان، خلقت كندا وهماً اقتصادياً. إذ جعلت أسعار المنازل المرتفعة الناس يشعرون بالثراء على الورق لكنها لم تبنِ مصانع، ولم تحسّن سلاسل التوريد، ولم تخلق صناعات تصديرية ذات أجور مرتفعة. والآن، حان وقت سداد فاتورة هذا الهوس العقاري، حيث تتحمل الأسر الكندية أعلى عبء ديون في مجموعة السبع، بإجمالي ديون يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.ومع ذلك، ورغم نقاط الضعف الصارخة، ترفض كندا الاستسلام. وتعد هذه المرونة الجزء الأكثر إحباطاً في المشهد الحالي، فعندما يبدو الاقتصاد على وشك الانهيار، يرسل إشارات على استمرار الحياة. فسوق العمل، رغم عيوبه، يستمر في تحدي التوقعات، حيث ساعدت الإضافة غير المتوقعة لعشرات الآلاف من الوظائف بدوام كامل في وقت سابق من هذا العام على خفض معدل البطالة العام إلى 6.6%. ويحوم التضخم الأساسي حول 1.8%، ما يمنح بنك كندا مساحة للحفاظ على سعر الفائدة لليلة واحدة مستقراً عند 2.25%. ويوفر هذا الاستقرار في أسعار الفائدة متنفساً تشتد الحاجة إليه للملاك الذين يواجهون تهديدات القروض العقارية.علاوة على ذلك، تشير البيانات الاقتصادية الأولية إلى أن انتعاشاً متواضعاً يلوح في الأفق، حيث تتجه التوقعات نحو صعود بطيء للوصول إلى نمو بنسبة 2% على مدى السنوات القليلة المقبلة. إنه اقتصاد يرفض الموت، لكنه يرفض الازدهار أيضاً، إنها حالة من البرزخ الاقتصادي.ويضرب هذا البرزخ الجيل الشاب بقسوة، فبينما يجلس الكنديون الأكبر سناً على تلال من رأس المال العقاري، ارتفعت بطالة الشباب إلى مستوى مقلق بلغ 13.4%. ويدخل الخريجون الجدد سوق عمل راكداً حيث تندر فرص عمل المبتدئين في الشركات، وظلت تكلفة المعيشة منفصلة تماماً عن متوسط الأجور.أما مدى هشاشة الاقتصاد فمرتبط بالأفق الزمني حيث يتوقف الانهيار على صمود النظام المصرفي واستبعاد موجة تسريح جماعي للعمال على غرار الكساد الكبير، وهذا غير وارد حالياً. فكندا تمتلك القوة المؤسسية، وقاعدة الموارد، والنمو الديموغرافي لتجاوز هذه العاصفة، فالأرضية صلبة.أما عند الحديث عن تآكل مستوى المعيشة على المدى البعيد، فهناك مشكلة كبيرة جداً.تعاني كندا أزمة طموح صامتة. لا يمكن لأي أمة أن تفرض الضرائب، أو تنفق، أو تضارب في العقارات لتصل إلى الازدهار طويل الأجل، بل يجب عليها أن تنتج، وتتطور، وتنافس على الساحة العالمية. وفي الوقت الحالي، لا تفعل كندا أياً من هذه الأشياء بفعالية، بل تعتمد على النمو السكاني المدفوع بالهجرة للحفاظ على إيجابية أرقام الناتج المحلي الإجمالي، ما يخفي حقيقة أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي —وهو المقياس الحقيقي لرفاهية الفرد— آخذ في الانكماش.قد يمر الركود التقني الحالي، وتصل النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة في النهاية إلى تسوية. ولكن ما لم يعالج صناع السياسات التدهور الهيكلي —هذا المزيج السام من ديون الأسر المفرطة، ونقص الاستثمار التجاري، والإنتاجية الضعيفة— فستظل كندا دولة كدمات.*رئيسة مكتب بي بي سي في كندا**media[8106973]**