سؤال غريب تبادر إلى ذهني مع تباشير الصباح، ومع اعتدال الجو في رياضنا الغرّاء:
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى سؤالًا تقنيًا، وقد يذهب بنا التفكير مباشرة إلى البرمجة، أو إلى كيفية تشغيل الروبوتات، أو استخدامها في العمليات والأنشطة اليومية. لكنني لا أقصد بسؤالي هذا أيًا من ذلك.
هل أعددنا أبناءنا ليكونوا زملاء للروبوت داخل مختلف أنشطة الحياة؟
هل يستطيع أبناؤنا أن يعملوا مع روبوت كما يعملون مع زميل بشري؟ أن يتعاونوا معه، ويختلفوا معه، ويراجعوا قراراته، ويستفيدوا من قدراته، وفي الوقت نفسه يعرفون حدوده؟
وهل سيكونون قادرين على التمييز بين الروبوت والإنسان، حتى لو أصبح الروبوت قادرًا على الحديث، والتفاعل، والتذكر، وفهم السياق، وربما محاكاة بعض المشاعر؟
ففي مارس 2025 أعلنت مرسيدس-بنز اختبار استخدام الروبوت الشبيه بالإنسان «Apollo» في مصنعها ببرلين، ضمن توجهها لإدخال الذكاء الاصطناعي والروبوتات الشبيهة بالبشر إلى بيئة إنتاج فعلية.
وفي أمازون، أعلنت الشركة في 30 يونيو 2025 نشر الروبوت رقم مليون ضمن عملياتها، وقالت إن أكثر من 700 ألف موظف تلقوا تدريبًا لتطوير مهاراتهم استعدادًا لمستقبل العمل.
الروبوت لم يعد بالضرورة بديلًا عن الإنسان؛ لقد بدأ يدخل معه إلى المكان نفسه.
لكن الروبوت الذي يتحرك في المصنع ليس سوى الوجه الأبعد للقصة.
فالوجه الأقرب موجود الآن في حياة أبنائنا: أنظمة ذكية تحاورهم، وتجيب عن أسئلتهم، وتساعدهم في الكتابة والتعلم، وتتذكر سياق ما يقولونه.
بل إن الروبوت نفسه بدأ يتحرك من المصنع نحو المنزل.
فشركة Figure طرحت في أكتوبر 2025 نموذج Figure 03 بوصفه روبوتًا شبيهًا بالإنسان مصممًا أيضًا للبيئة المنزلية، وتعرض الشركة قدرته على تنفيذ مهام منزلية مثل غسل الملابس والتنظيف وغسل الأطباق، مع إمكانية التفاعل معه بالكلام وتكليفه بالمهام.
الزميل الآلي لم يعد ينتظر أبناءنا في مكان العمل بعد سنوات؛ لقد بدأ يقترب من البيت.
وهذا تحديدًا هو الجزء الذي قد لا تمنحه لنا دروس البرمجة وحدها.
لقد بدأنا في المملكة خطوات مهمة في هذا الاتجاه؛ فطلاب وطالبات مدارس الإدارة العامة للتعليم بمنطقة الرياض حققوا في يونيو 2026 ست عشرة ميدالية في ثمانية مسارات في مسابقة الروبوت الدولية «RoboRAVE»، شملت الذكاء الاصطناعي والابتكار والبرمجة والتحكم الآلي.
وهذا إنجاز يستحق الفخر. لكنني أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد ذلك هو:
هل نعد أبناءنا لاستخدام الروبوت، أم نعدهم للحياة معه؟
قد يتعلم الطالب كيف يبرمج روبوتًا، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع روبوت ذكي يشاركه العمل.
وقد يعرف كيف يعطيه أمرًا، لكنه لا يعرف متى يشك في النتيجة التي يقدمها له.
وقد يعرف كيف يحصل منه على إجابة، لكنه لا يعرف متى يكون الاعتماد عليه غير مناسب.
وقد يستطيع أن يجعل الآلة أكثر ذكاءً، لكنه لا يستطيع أن يحافظ على استقلال تفكيره أمام ذكائها.
يجلس الموظف أمام شاشة، وبجانبه روبوت يتحرك في المكان. الروبوت يعرف جدول الأعمال، ويقرأ البيانات، ويتذكر ما حدث في الاجتماعات السابقة، ويقترح حلولًا، ويراجع الأخطاء، وربما ينبه الموظف إلى قرار يراه غير مناسب.
وبعد فترة قد لا يعود السؤال: هل هذا روبوت؟
فالإنسان عندما يتعامل مع زميل بشري يعرف أنه يملك مشاعر، وقد يخطئ، وقد يغضب، وقد يتعب، وقد تختلف مواقفه.
وربما يكون أكثر قدرة على تحليل كميات هائلة من المعلومات. لكن هل يعني ذلك أننا يجب أن نثق به أكثر من الإنسان؟
فالآلة مهما بلغت قدرتها تظل جزءًا من نظام صممه الإنسان، وتعمل وفق بيانات ونماذج وقواعد وغايات يضعها البشر. ولذلك فإن الثقة لا ينبغي أن تكون نتيجة الانبهار بالتكنولوجيا، وإنما نتيجة الفهم والتحقق والمساءلة.
وماذا لو أصبح صديقًا؟ ربما يكون هذا السؤال أكثر حساسية من سؤال زميل العمل.
فالروبوتات الاجتماعية بدأت تدخل البيئة التعليمية، ولم تعد الدراسات العلمية تتعامل معها باعتبارها أدوات تعليمية فقط، بل تدرس أيضًا كيف ينظر الأطفال إليها ويتفاعلون معها.
ففي دراسة منشورة في Scientific Reports عام 2025، شارك أطفال تتراوح أعمارهم بين خمس وتسع سنوات في تصميم تصور لروبوت يساعدهم في القراءة. ولم يطلب الأطفال منه الدعم الأكاديمي فقط؛ بل صمموا روبوتات تقدم أيضًا دعمًا عاطفيًا، وتحدثوا عن الرفقة التي يمكن أن يقدمها الروبوت أثناء التعلم.
هل يمكن أن يكون صديق الطفل القادم روبوتًا؟
ليس المقصود أن الروبوت أصبح صديقًا بالمعنى الإنساني، وإنما أن الطفل قد يبدأ في التعامل معه بطريقة تشبه بعض جوانب علاقته بأصدقائه.
إذا كان الروبوت يستمع إلى الطفل، ويتحدث معه، ويتذكر ما يقوله، ويساعده، ولا يسخر منه، ويستجيب له في أي وقت، فقد يصبح وجوده مريحًا وجذابًا.
وهنا علينا أن نسأل: من الذي سيعلم الطفل أن الراحة ليست دائمًا دليلًا على صحة العلاقة؟
ومن الذي سيعلمه أن الإنسان قد يختلف معه، أو يغضب منه، أو لا يفهمه في كل مرة، لكنه يظل إنسانًا له مشاعر وحقوق ومسؤوليات؟
إن التربية لا تعني أن نمنع الطفل من التواصل مع الآلة، بل أن نعلمه الفرق بين التفاعل التقني والعلاقة الإنسانية.
ربما يكون أكبر خطأ نرتكبه أن ننشغل بسؤال:
فقد يصبح بالفعل أفضل منه في بعض المهام، وهذا يحدث أصلًا في مجالات محددة.
هل سيصبح الروبوت قادرًا على التأثير في الإنسان؟ هذه نقطة مختلفة تمامًا.
فالذكاء يمنح الآلة القدرة على تقديم المعلومات والتحليل. أما التأثير فيمنحها القدرة على تغيير السلوك والاختيارات.
وإذا أصبح النظام يعرف ما يحب ابننا، وما يجذبه، وما يخيفه، وما يجعله يقتنع، فقد تصبح لديه قدرة متزايدة على التأثير في قراراته.