من أكثر الملاحظات إيلامًا عند متابعة الحروب والفتن والصراعات المسلحة في الشرق الأوسط أن الإنسان العربي ومع الأسف أصبح هو من يحارب ويرهب ويفتن ويفرق، العرب وكثيرًا ما يظهر في مقدمة المشهد بوصفه المقاتل والضحية واللاجئ، بينما تظهر القوى الإقليمية والدولية التي تمتلك مصالح أو مشاريع سياسية وإستراتيجية وهي تستخدم بصورة متزايدة أطرافًا محلية أو جماعات مسلحة للقيام بجزء كبير من الأعمال القتالية. وهذه الملاحظة تستحق البحث، ليس من منطلق اتهام العرب بأنهم «رخيصون»، وإنما من زاوية أكثر عمقًا: لماذا أصبحت بعض القوى ترى أن القتال بواسطة أبناء المجتمعات المحلية أقل تكلفة سياسيًا وعسكريًا من إرسال مواطنيها إلى ساحات القتال؟ وهل أصبح المقاتل العربي، في بعض الصراعات، أداة يمكن استقطابها بالمال أو العقيدة أو الحاجة أو الانتقام أو الانتماء الطائفي، بينما تحرص الدولة الراعية على إبقاء مواطنيها بعيدًا عن الخطوط الأمامية؟ ولماذا لم نسمع أن إيران أو إسرائيل أو غيرهما من الدول وظفت أبناؤها في داعش أو حزب الله أو اليمن. هذه الظاهرة ليست جديدة، ولكنها توسعت في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة حتى أصبح مفهوم حروب الوكالة أو Proxy Warfare أحد أهم مفاتيح فهم الصراعات الإقليمية. والفكرة الأساسية في حرب الوكالة هي أن دولة أو قوة إقليمية لا تخوض المواجهة دائمًا بصورة مباشرة، وإنما تدعم جماعة مسلحة أو قوة محلية من أبناء العرب وليس أبناؤهم، مثل حزب الله والحوثيين والقاعدة وداعش، بالمال والسلاح والتدريب والمعلومات والاستخبارات، وتترك لها مساحة من القتال على الأرض. وتوفر هذه الطريقة للدولة الراعية ميزة مهمة: القدرة على ممارسة النفوذ وإضعاف الخصم دون تحمل كامل التكلفة السياسية والبشرية للحرب المباشرة. وتشير دراسات متخصصة إلى أن استخدام القوى غير الحكومية والمقاتلين بالوكالة أصبح وسيلة مهمة لإسقاط القوة في الشرق الأوسط، لأنه يقلل الخسائر الرسمية للدولة الراعية ويوسع مجال نفوذها خارج حدودها. وبذلك فإن إيران لا تقاتل بأبنائها، وإنما بنت نموذجًا أمنيًا يعتمد بدرجة كبيرة على توسيع دائرة القتال خارج الأراضي الإيرانية من خلال شركاء وحلفاء وجماعات مسلحة محلية وأجنبية، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل المباشر عند الحاجة. وهذا الفارق مهم جدًا. فإيران لا تتعامل مع كل الجماعات بالطريقة نفسها. حزب الله، مثلًا، يمثل حاة أكثر عمقًا من مجرد مجموعة جرى «شراؤها»؛ فهو حليف أيديولوجي وعسكري وثيق لإيران، ويتمتع بقدرة ذاتية على اتخاذ بعض القرارات وله مصالحه اللبنانية الخاصة. أما الحوثيون في اليمن، فالعلاقة معهم أكثر تعقيدًا، إذ تصف بعض الدراسات الجماعة بأنها شريك غير رسمي لإيران أكثر من كونها مجرد «وكيل» يخضع بالكامل لأوامر طهران. وتؤكد مصادر متخصصة أن إيران قدمت للحوثيين أسلحة وتدريبًا ومعلومات استخباراتية، وساعدتهم على تطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، لكنها لم تنشئ الحركة من الأساس، كما أن للحوثيين أجندتهم المحلية الخاصة.
وهذا يقودنا إلى جوهر المسألة: لماذا تستخدم الدول الوكلاء؟ أول الأسباب هو تقليل التكلفة البشرية والسياسية. عندما يموت جندي رسمي تابع للدولة، فإن موته يصبح خسارة وطنية مباشرة، وتظهر الأسئلة في المجتمع والإعلام والبرلمان، وقد يتحول إلى ضغط سياسي على القيادة. أما عندما يموت مقاتل تابع لجماعة محلية حليفة، فإن التكلفة السياسية المباشرة على الدولة الراعية غالبًا تكون أقل. وهذا أحد الأسباب التي تجعل حروب الوكالة جذابة للقوى التي تريد التأثير دون الدخول في حرب مباشرة مفتوحة. وتوضح الأدبيات المتعلقة باستخدام المقاتلين بالوكالة والمرتزقة أن إحدى مزايا هذا النموذج هي تقليل الخسائر الرسمية للدولة التي تستخدمهم، مع توسيع قدرتها على إسقاط القوة خارج حدودها. والسبب الثاني هو الإنكار أو الغموض السياسي. عندما تنفذ جماعة محلية هجومًا، فإن الدولة الراعية تستطيع في بعض الحالات أن تنفي مسؤوليتها المباشرة أو أن تقول إن الجماعة اتخذت القرار بنفسها. وهذه المساحة من الغموض تمنح الدولة مجالًا للمناورة، وتقلل احتمالية تحول العمليات إلى مواجهة مباشرة. وقد أشارت دراسات عديدة إلى أن الشبكة الإيرانية من الجماعات المسلحة توفر لطهران قدرًا من «الإنكار المقبول» أو plausible deniability، مع اختلاف درجة السيطرة من جماعة إلى أخرى.
أما السبب الثالث فهو أن المقاتل المحلي يعرف بيئته أكثر من الجندي الأجنبي. فالجندي القادم من دولة أخرى يحتاج إلى معلومات عن الجغرافيا والمجتمع والقبائل والحدود واللغة والعلاقات المحلية، بينما تكون الجماعة المحلية موجودة في المنطقة أصلًا. ولذلك قد تكون قدرتها على العمل داخل البيئة المحلية أكبر بكثير. كما أن الجماعات المحلية تستطيع تقديم الحرب على أنها قضية داخلية أو مقاومة أو دفاع عن طائفة أو جماعة أو منطقة، الأمر الذي يجعل تعبئة المقاتلين أكثر سهولة من تعبئة جنود دولة أجنبية. وهنا تأتي مسألة المال، وهي مهمة ولكنها ليست العامل الوحيد. نعم، بعض الجماعات تستقطب مقاتلين بسبب المال، وخاصة في الدول الفقيرة أو المنهارة اقتصاديًا، حيث قد يصبح القتال وظيفة أو مصدر دخل للأسرة. لكن من الخطأ تفسير جميع المقاتلين بأنهم «مرتزقة». هناك من يقاتل بدافع ديني أو أيديولوجي، وهناك من يقاتل بسبب الانتقام، وهناك من يدافع عن منطقته، وهناك من ينضم بسبب ضغط اجتماعي أو قبلي، وهناك من يجد نفسه داخل الجماعة بسبب غياب الدولة. وفي حالات أخرى يجتمع المال والعقيدة والحاجة في الوقت نفسه.
ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «هل العرب رخيصون؟»، وإنما: هل أنتجت الحروب العربية المتكررة والبطالة والفقر والانهيار المؤسسي والفراغ الأمني بيئة تجعل تجنيد الإنسان العربي أسهل وأقل تكلفة بالنسبة للقوى المتنافسة؟ وهذه صياغة أكثر قسوة ولكنها أقرب إلى التحليل الموضوعي. فكلما ضعفت الدولة المحلية، وكلما انهارت مؤسساتها، وكلما ارتفعت البطالة والفقر والانقسامات الطائفية والمناطقية، أصبح من الأسهل على القوى الخارجية بناء جماعات مسلحة تعتمد عليها. وهذا يفسر جزئيًا لماذا أصبحت بعض الدول العربية ساحات لتنافس قوى غير عربية.
ففي العراق، على سبيل المثال، دعمت إيران جماعات شيعية مسلحة متعددة، وبعض هذه الجماعات تحول إلى قوى سياسية وعسكرية مؤثرة داخل الدولة العراقية نفسها. وتوضح تقارير حديثة أن مجموعات مسلحة مدعومة من إيران تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واسعًا، وبعضها أصبح جزءًا من المشهد السياسي والمؤسساتي العراقي. وفي سوريا، دعمت إيران النظام السابق وشاركت في الحرب بصورة مباشرة وغير مباشرة، واستعانت بشبكات متعددة من المقاتلين الأجانب والمحليين.
وفي لبنان، أصبح حزب الله نموذجًا فريدًا لجماعة مسلحة ارتبطت بإيران وفي الوقت نفسه أصبحت قوة سياسية واجتماعية وعسكرية داخل الدولة اللبنانية. وفي اليمن، حصل الحوثيون على دعم إيراني مكّنهم من تطوير قدرات عسكرية متقدمة، خصوصًا الصواريخ والطائرات المسيّرة.