هكذا نتجمّل حين تناقض أقوالنا أفعالنا

يتناول المقال الفجوة بين الخطاب الأخلاقي العالي والسلوك اليومي للإنسان، موضحًا كيف تتحول القيم إلى شعارات تُعرض أمام الجمهور بينما تُهمَل في الممارسة الفعلية، بفعل ضغط الصورة الاجتماعية وطريقة التربية القائمة على الحفظ لا القدوة. ويحذر من أن هذا التناقض يؤدي إلى تآكل الثقة وفقدان القيم لمعناها، مؤكّ…

في الحياة العامة، تتكرر مشاهد تبدو مألوفة لكنها تظل عصيّة على الفهم الكامل، يتجاوزها بعضنا عمدا وكثير منا لا يعيرها ما تستحقه من الاهتمام والعناية. نسمع أصواتا عالية تدّعي الصدق وتمتلئ بمفردات مكارم الأخلاق، ثم لا نلبث أن نصطدم بأفعال صغيرة، يومية، هادئة، تكشف هشاشة هذا البناء الخطابي كله. المثير للاستغراب أن الأمر لا يدخل على الدوام في دائرة التظاهر أو الخيانة الصريحة للقيم، بل تتمدد في كثير من الأحيان فجوة ناعمة بين ما نقوله عن أنفسنا، وما نفعله حين نُترك وحدنا مع خياراتنا.

ببساطة أكثر نحن ندافع في كل المجالس عن القيم الفاضلة، عن الكرم والمروءة وحينما يمر أحد أفراد الدائرة المحيطة بنا بموقف يستدعي الوقوف معه نجد الكثيرين يبتعدون، ربما بسبب وسوسة الأنفس الشح. وفي مشهد آخر لا يترددالإنسان عن مدح فضيلة الصدق وعند أول اختبار حقيقي يحجم البعض عن الجهر بكلمة الحق، فيما يلجأ آخرون للتبرير وافتعال الذرائع، في تطبيق عملي لمقولة "أنا لا أكذب، ولكنني أتجمل"، أو يلوذون بتصنيف الكذب إلى أبيض وأسود.

هنا تقفز أسئلة طبيعية تبحث عن إجابات، هل من طبيعة الإنسان أن يخفق في أن يجسد خلال حياته اليوميةالنموذج الأخلاقي الذي يؤمن به؟ وهل هذا الفعل طبيعيبسبب النقص الذي يعانيه كل منا؟ أم أننا نترجم فعليا الصراع الذي يدور في دواخلنا بين الخير والشر؟

ربما يكون السبب في طبيعة مجتمعاتنا العصرية، حيث يعيش الإنسان كأنه أمام مرآة على الدوام، فالمجتمع يشاهد، والمنصات تراقب، والذاكرة الرقمية لا تنسى. وفي مثل هذا المناخ، تصبح السمعة عملة ثمينة، ويغدو الظهور بمظهر أقرب للكمال ضرورة نفسية قبل أن يكون التزاما أخلاقيا. هنا تبدأ الحكاية: ليس لأن الفرد قرر الكذب، بل لأنه قرر دون وعي أن يحمي صورته قبل أن يحمي القيم التي يؤمن بها، فالصورة الذهنية بعكس السلوك، لا تحتاج وقتا ولا كلفة باهظة، يكفيها تصريح، أو منشور، أو موقف معلّب في اللحظة المناسبة.

المشكلة أن الإنسان عندما يسير في هذا الاتجاه فإنه يدمن أداء هذه المشاهد التمثيلية، وتتحول منظومة الأخلاق لديه إلى أداء ومشاهد تُعرض حين يكون هناك جمهور فيما يستمر في حياته العملية ويعيش حقيقته بعيدا عن الآخريندون أن يفكر في مواجهة نفسه بأخطائها، وكأن بين العالمين جدارا خفيا أو برزخا يشعر فيه بالرضا عن ذاته، حتى وإن كان يناقض القيم التي يدافع عنها لفظيا، فالأعذار جاهزة والمبررات في متناول اليد.

وربما تكون طريقة التربية هي العامل الحقيقي في حالة الفصام التي نعيشها، ففي مجتمعات كثيرة نتعلم القيم باعتبارها نصوصا تُحفظ ولا تطبق على أرض الواقع، يُطلب من الطفل أن يقول الحقيقة فيما لا يتورع والداه عن الكذب أمامه، حتى وإن كانت أكاذيب صغيرة في نظرهما لكنها تخلق أسئلة كثيرة في نفوس الأطفال مما يدفعهم للسير على ذات النهج مستقبلا، فالتربية أفعال نغرسها في نفوسهم بالقدوة وليس بالكلام.

النتيجة الأكثر عمقا وخطورة تكمن في تآكل الثقة، فحين يسمع الناس كلمات كبيرة دون أن يروها في الواقع، يفقد الخطاب معناه، وتفقد القيم بريقها، والصدق الذي لا يُمارَس يتحول إلى مجرد أكذوبة وكلمة فارغة من محتواها ويعيش المجتمع كله حالة من الارتياب وعدم اليقين، يقرأ الناس فيها النيات ولا يصدقون الأفعال

رغم ذلك، فإن الاعتراف بأن بعض هذا التناقض غير مقصود يفتح نافذة أمل، والتسليم بصحة النوايا يفتح الطريق نحو تصحيح المسار. لكن يظل السؤال قائما، كيف نعيد للأخلاق وزنها العملي وكيف نمتلك القدرة على مواجهة أنفسنا بأخطائها؟ وحتما فإن الحل لن يكون في ترديد الشعارات، بل بالشجاعة اليومية. حين يتقدم الفعل الصامت على الخطاب الصاخب، وحين تصبح المراجعة قيمة لا ضعفا، تستعيد الكلمات معناها، وتعود القيم جسورًا حقيقية وليس مجرد أقنعة أنيقة تخفي ما لا نحب أن نراه في أنفسنا.