قبل أعوام، وحين نوقشت في رسالة الدكتوراه حول العادات والتقاليد والفنون في المملكة العربية السعودية، تلمست دهشة لجنة المناقشة التي اطلعت على فحوى الرسالة، وكأنها تقول: أهذا في السعودية؟ لم تكن الدهشة نابعة من الجهل، بل من المفارقة بين ما تحمله الصفحات وما استقر في الأذهان من صورة مختزلة، حصرت ثقافة أمة بحجم قارة في لون واحد. واليوم، وأنا أكتب بلسان مواطن ينتمي إلى هذه البلاد العظيمة، ويعتز بتراثها وثقافتها، أدرك أن تلك الدهشة لم تكن سوى بذرة، وأن ما نشهده الآن من نهضة ثقافية غير مسبوقة هو الثمرة التي كبرت وأينعت.
السعودية ليست لوناً واحداً، بل لوحة فسيفسائية تمتد على مساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، تضم صحارى وجبالاً وسهولاً وواحات وبحراً. هذا التنوع انعكس على الثقافة والعادات والفنون، فأنتج نسيجاً فريداً لا مثيل له. في المعمار التقليدي، تختلف الأساليب من منطقة لأخرى، مما يعكس براعة المعلم السعودي الذي امتلك معرفة واسعة بالهندسة والمناخ والجيولوجيا. في جدة التاريخية يشتهر الروشان الخشبي، وفي عسير يبرز التكحيل بالحجر الأبيض، وفي نجد كانت المنازل تطل على الداخل بفضل الفناء الداخلي، بينما في الحجاز كانت تطل على الخارج. وكل منطقة منحت عمارتها روحها، فصار البيت السعودي وثيقة تاريخية تنطق بالحكمة والجمال.
وفي الفنون الشعبية، تتفرد كل منطقة بألوانها. العرضة السعودية التي كانت تقام احتفالاً بالنصر أصبحت الرقصة الرسمية للبلاد. وفي الشمال تشتهر الدحة التي كانت تمارس قبل الحروب لإثارة الحماسة. أما السامري فيمتلك أكثر من ثلاثين لحناً ويختلف من منطقة لأخرى. وفي الجنوب، تحتضن جازان أكثر من خمسة وثلاثين لوناً أدائياً وفلكلورياً، من أبرزها العرضة الجازانية والخطوة. وهذه الفنون ليست مجرد رقصات وأهازيج، بل ذاكرة جماعية وروح شعب عرفت كيف تحتفل وتحزن وتنتصر بالكلمة واللحن والإيقاع.
والفروسية والهجن ليستا مجرد رياضة، بل تاريخ وحضارة ورسالة عربية أصيلة، ارتبطتا بهوية الإنسان السعودي منذ القدم. والزراعة التقليدية شكّلت هوية مستقلة، فواحة الأحساء تضم أكثر من ثلاثة ملايين نخلة، والقطيف تشتهر باللوز القطيفي. وهكذا ارتبط الإنسان السعودي بالأرض، فغرس النخيل وسقى الزرع وصنع من الصحراء حياة.
وعادات الزواج تحكي قصة تنوع مذهل. في تبوك لا تزال عادة زواج القصلة مستمرة منذ مئات السنين، حيث يُعطي والد الفتاة خطيب ابنته غصنا أخضر أو حفنة قمح كرمز للقبول. والطب الشعبي كان ولا يزال جزءاً من الذاكرة الجمعية، فقد اشتهرت جازان بالغميز والكي والعلاج بالأعشاب، وكان الملاذ الوحيد قبل وصول الخدمات الصحية الحديثة. والأمثال الشعبية ذاكرة الأمة الناطقة، تتنوع لهجاتها لكنها جميعاً تحمل حكمة الأجداد، من أمثال نجد: إن كبر ابنك خاويه، وحمارتك العرجا تغنيك عن سؤال اللئيم، ومن الحجاز: السيل اللي ما يبلك لا يهمك.
والحرف اليدوية مرآة ثقافية تعبر عن علاقة الإنسان ببيئته، من حياكة السدو والنسيج إلى البناء بالطين والنحت على الخشب وصناعة الفخار والتطريز والمنتجات الخوصية. وقد أصدرت وزارة الثقافة الدليل المعرفي للحرف اليدوية ضمن مبادرة عام الحرف اليدوية. والأزياء التقليدية تختلف من منطقة لأخرى، ففي الشرقية يتكون زي الرجال من دقلة وثوب مردون، وفي الجنوب يرتدي الرجال الصمادة والجبة والمحزم والخنجر. وكل قطعة ثوب تحكي حكاية، وكل تطريز يحمل رمزاً. والمطبخ السعودي أنتج أطباقاً لا حصر لها، من الحنيذ في الجنوب إلى البليلة والمطبق، إلى الفتة والمليحة في الشمال، إلى البلاليط والخبز الحمر في الشرق، إلى الجريش والحنيني والمرقوق في الوسط. وقد تصدر الحنيذ قائمة أفضل أطباق الأرز واللحم في الشرق الأوسط، ليؤكد أن المطبخ السعودي ليس طعاماً فحسب، بل هوية وضيافة وكرم.
كل هذا الإرث كان يستحق من يرعاه ويصونه ويقدمه للعالم. وهنا تأتي اللحظة الفارقة: تشكيل وزارة الثقافة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بقيادة وزيرها الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وطاقم الوزارة والهيئات المتخصصة. لم تكن الوزارة مجرد جهة إدارية، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً. توسعت البنية التحتية لتشمل منشآت ثقافية جديدة، وتجاوز عدد زوار مواقع التراث الوطني والعالمي ملايين الزوار، ووصل عدد المواقع القابلة للزيارة إلى مئات المواقع، منها جدة التاريخية التي استقطبت ملايين الزيارات. وأثمر مؤتمر الاستثمار الثقافي عن اتفاقيات بمليارات الريالات. ويقود الأمير بدر هذه النهضة برؤية طموحة وطاقم مخلص وهيئات تخصصت في الأدب والفنون والموسيقى والمسرح والتراث والطعام والأزياء والعمارة. وقد حصد ميدان الثقافة في جدة التاريخية جائزة أفضل مشروع ثقافي، واحتفلت الوزارة بالفائزين في الجوائز الثقافية الوطنية.
وما تحقق لم يقتصر على الأرقام، بل امتد إلى وجدان المجتمع. أصبحت الثقافة نمط حياة لا فعاليات موسمية. فتحت المواقع التراثية أبوابها لملايين الزوار، وانتشرت المبادرات الثقافية في مختلف المناطق، مما عزز الهوية الوطنية ورسخ الانتماء. وعلى الصعيد الدولي، لم تعد السعودية مجرد وجهة دينية أو نفطية، بل مركزاً ثقافياً وفنياً يشار إليه بالبنان. شاركت هيئة فنون الطهي في مهرجان تذوق لندن وقدمت الأطباق السعودية أمام جمهور عالمي، في دبلوماسية ثقافية تبني جسور التفاهم بين الشعوب.
وما تحقق ليس سوى البداية. فالتصور المستقبلي يتجاوز بكثير ما نشهده اليوم. مع استمرار الدعم القيادي وتمكين الهيئات الثقافية والاستثمار في المواهب الشابة وإدماج التقنية في حفظ التراث، ستتحول السعودية بحول الله إلى مركز إشعاع حضاري عالمي. أتخيل مستقبلاً تُدرس فيه الفنون الشعبية السعودية في أرقى الجامعات، ويُترجم فيها التراث الشفهي إلى لغات العالم، وتُبنى فيها المتاحف التي تحكي قصة أمة عريقة. هذا ليس حلماً بعيداً، بل وعد رؤية 2030 التي جعلت الثقافة ركيزة أساسية للتنمية، ووعد قيادة آمنت بأن الأمم لا تُبنى بالاقتصاد وحده، بل بالثقافة والهوية والإنسان.
يا بلادي، يا من جمعت بين صحراء نجد وسماء عسير، وبين بحر جدة ورمال حائل، وبين نخيل الأحساء وجبال تبوك، أنت أجمل ما في الوجود. فيك وُلدت الحضارات، وعلى أرضك خطّ الإنسان أولى كلماته. وفي تراثك كنوز لا تنضب، وفي ثقافتك حكايات لا تنتهي. حين تدهش لجنة المناقشة وتقول: أهذا في السعودية؟ ابتسم وأقول: نعم، هذا في السعودية، وهناك المزيد. فلا تزال الصفحات تُطوى، ولا يزال التراث يُوثق، ولا يزال الحلم يكبر. ونحن، أبناء هذا الوطن، سنظل نحكي ونكتب ونرسم ونغني، حتى يعرف العالم كله أن هنا، في قلب الجزيرة العربية، وطناً يحمل في جيبه تاريخ البشرية، وفي عينيه مستقبل الإنسانية.